You are here:  زنبقة مقدسية "مؤسسة راهبات الوردية،     مستخدم جديد  دخول الموقع
  من هي مؤسسة راهبات الوردية 

 

 

فاتحة الكتاب

 

ولدت الأم ماري الفونسين للوردية- واسمها الأصلي سلطانة (مريم) دانيل غطاس- في مدينة القدس، في الرابع من تشرين الأول 1843. وتوفيت في عين كارم، في 25 آذار 1927. وقد كانت المرحلة الطويلة القائمة بين هاتين السنتين، أو بين هذين الحدين، مرحلة تطفح حياة وتاريخا، على الصعيد الدولي وعلى الصعيد الديني، في بلادنا عامة، وفي القدس خاصة. وإذا ما اقتصرنا على ما يتعلق بالصعيد الديني، فهذا هو عهد النشاط الأوروبي الكنسي في هذه الربوع، وبعث حركة الحج إلى الأماكن المقدسة، هذا هو عهد إعادة الكرسي الاورشليمي اللاتيني إلى الوجود، واخذ شتى المدن والضيع في إقامة الاديار والكنائس، وشتى الرهبانيات في الانتشار، شهادة للمسيح وانجيل السلام، وخدمة للإنسان. في هذا الإطار، نشأت النفوس القديسة، التي كان بها الله عليما، وفي طليعتهن مريم ليسوع المصلوب الكرملية، بنت الجليل.  

وفي هذا الإطار، نشأت الأم ماري الفونسين، بنت القدس، ولقد كان من فضل الأب مبارك ستولتس، البندكتي الالماني الشهير، المقيم في القدس، أن يكون أول من نشر سيرتها، تلك التي ترجمت بالعربية سنة 1969. ثم أن الأب بطرس ديفينو، وهو احد رهبان بيترام الفرنسي، المقيم في بيت لحم، والمعروف بمقدرته الكتابية، وعلمه الواسع، وتآليفه العديدة، جاء وجعل صورة الأم الفونسين في ضوء جديد، يعرض هذا الكتاب ترجمته للقارىء العربي.

لعل من يقرأ صفحات هذا الكتاب- المتزاحمة أمام عيوننا تزاحم حلقات الكتاب مسلسل جميل- يعزى بان يتمهل بخاصة عندما هو فريد غريب فيها، من رؤى ومعجزات. فالله على كل شيء قدير. ولكن لنترك للكنيسة المقدسة ان تبدي يوما حكمها، ولنذكر نحن ان تلك الرؤى او المعجزات لم تنل شيئا من تواضع امة الرب، ولم تبعثا يوما على شيء من العصيان. وان في ذلك عبرة.

ان ما يجب ان يجذبنا ويستهوينا في هذه السيرة عامة، هو انها، مهما تراءت غريبة في الضوء البشري، فهي وافية النسيج في الضوء الالهي. وستطلعنا هذه الصفحات على ما يكمن وراء هذا التكامل العجيب: قوة النفس التي امتازت بها ماري الفونسين، واتكالها على السماء.

اما ما يجب ان يلفت انتباهنا في هذه السيرة خاصة، انما هو التفافها حول الوردية، التي قد قرنتها باسمها، تلك التي ولدت في تشرين الاول، شهر الوردية، وماتت في 25 اذار، حيث يذكر المسيحيون السر الاول من اسرار الوردية. ولقد عمدت الام ماري الفونسين، بوحي من السماء، وبمساندة الاب يوسف طنوس، احد كهنة البطريركية الاورشليمية اللاتينية، الى انشاء رهبانية الوردية في ارض الانجيل والوردية،" مختصر الانجيل كله"، على وفق ما قاله البابا بولس السادس في رسالته في التعبد المريمي.

أن راهبة الوردية، في عرف مؤسسة رهبانية الوردية، هي بنت مريم. ومهما كان اسمها، فاسم مريم يسبقه دوما. وإنها تواصل مريم. لكنها لا تواصلها في أي بلد من الأرض، بل في بلد مريم، وفي البلاد القريبة اليه، وقد يكون ذلك في رومة، حيث مملكة مريم. والى ذلك، فان بنت الوردية، إذ تبدو امتداداً لمريم، فإنها كثيراً ما تسكن بيتاً شبيها ببيت مريم. كان هذا يقوم في حي شعبي من احياء الناصرة، بين البيوت، ووسط مشاكل البيوت والحياة اليومية. وهكذا، فبنت الوردية تعيش بجانب الناس، وما المسبحة التي تتلوها يومياً، على انها في طليعة اغراض كيانها، سوى اشادة يومية بيوميات مريم في حضن حياتها العادية المظهر، أي بما امتازت به حياة مريم من افراح وآلام ومراحل مجد، قريباً من الناس، وقريباً من الاماكن التي تمت فيها هذه الاسرار المقدسة.

انها اسرار انجلية تناسب ابعاد الانجيل. فازاء "تواضع" المسيح في تجسده، لدينا اسرار الفرح. وازاء "موت" المسيح في فدائه، لدينا اسرار الحزن. وازاء "رفع" المسيح في قيامته، لدينا اسرار المجد. لذا كل ما تريده الام الفونسين من بنتها ان تحيي بصلاتها اليومية ما يذكره الانجيل وحجارة الاماكن الانجيلية، في الناصرة وعين كارم وبيت لحم والقدس...

على ان هذه الصلاة قد تكون عقيمة او محض مسلسل تمثيلي، اذا ما وقفت عند هذا الحد. لذا، تريد الام الفونسين من راهبتها ان تفضي بها الوردية الى " تفكير صميم واتخاذ قواعد جديدة للحياة"، وفقا لقول بولس السادس، انها لاتريد ان تنطوي راهبة الوردية على ذاتها، في صلاتها، انطواء انانياً، ولا ان تنغلق على ذاتها انغلاقاً شبه وثني، بل ان تكون اسرار مسبحتها " نوافذ"، على حد قول يوحنا الثالث والعشرين: " نوافذ تطل على حياتها الشخصية وحياة العالم الذي تعيش وسطه".

اجل، ان بنت الوردية، في عرف الام الفونسين، مدعوة الى ان تجعل من المسبحة الوردية اليومية مدرسة للحياة اليومية، تصبح بها " يوميات مريم" يومياتها، وتكون حياتها بذلك امتداداً لمريم في شتى مرافق الحياة، ووجهها امتداداً لملامح مريم...

اننا في عشية مرور مائة سنة على تأسيس رهبانية الوردية سنة 1885. وأنها لنعمة من السماء ان تصدر الترجمة العربية لسيرة الأم الفونسين في هذه المناسبة، حيث يبعث المرء على أن ينظر إلى الوراء، فيرى مواكب اللواتي سرن وما زلن يسرن على خطوات الأم الفونسين للوردية، ورحن كنساء الإنجيل يرافقن يسوع ويخدمنه ويساعدنه،ويخدمن الإخوة، بدوافع ما في الوردية من قدوة وقدرة، مواصلات على أرضنا منظر الجماعة المسيحية الأولى المصلية حول " مريم أم يسوع"، والمتناولة الطعام " بغبطة ودعة". وعليه، فهلا حملت الأم الفونسين، يوم فارقت الأرض في عين كارم، حيث تفوهت مريم بنشيد دعوتها : " تعظم الرب نفسي"، بان ما جاء في هذا النشيد قد يقال فيها يوماً، " لان القدير أتاها فضلا عظيما، قدوس اسمه"؟

 

توطئة

 

كان لعودة البطريركية اللاتينية إلى القدس اثر طيب في تجديد الكنيسة في الأرض المقدسة وإنعاشها، وقد كان من علامات هذا التجديد اثنتان: الأولى تأسيس معهد اكليريكي سرعان ما اجتذب المرشحين للكهنوت، والثانية إنشاء جمعية رهبانية وطنية لفتيات هذا البلد.

وهاكم ما صرح به عام 1852 البطريرك يوسف فاليرغا وهو اول من نصب على كرسي القدس بعد عودة البطريركية اللاتينية اليها: " اني اعتقد ان أي بلد لا يقدم للكنيسة كهنة ورهبانا، لا يستحق ان يسمى كاثوليكياً".

وصحيح ان الفتيات بادرن الى الانخراط في سلك الرهبانيات الاجنبية، ومنهن الابنة البكر للسيد دانيل غطاس التي اصبحت فيما بعد تعرف بالام ماري الفونسين وان فتيات اخريات قد سلكن السبيل ذاته. ولكن لم يكن ذلك الا استجابةجزئية لراي غبطة البطريرك فاليرغا الثاقب.

وممن تلمسوا الحاجة الماسة الى رهبانية محلية نذكر الاب القانوني يوسف طنوس الذي كان من اشهر مهنة البطريركية اللاتينية انذاك. وقد اعجب بالنشاطات القيمة التي كانت تبذلها الجمعيات الرهبانية في اوروبا وبخاصة في ميدان تربية الفتيات. ولكن تأسيس مثل هذه الرهبانية في القدس كان يبدو ضرباً من المستحيل.

وفي سنة 1878، لاحت في الافق بوادر مشجعة. فقد اقام الاب يوسف طنوس في دير راهبات القديس يوسف في القدس رياضة روحية لاخوية بنات مريم. وما اوشكت الرياضة على الانتهاء حتى اقبلت فتيات في ربيع العمر يطلبن اليه انشاء جمعية رهبانية خاصة بهن وبمثيلاتهن. ولشدة ما دهش الكاهن لهذا الاقبال الرائع الذي فاق كل توقعاته. لقد ظن ان المشروع قد اختمر في عقولهن تلقائياً. واطرق يفكر مليا جاهلا تلك اليد الخفية التي غرست الرغبة الملحة والاهبة التامة في قلوب هولاء الفتيات للرهبانية.

يد من كانت تلك اليد الخفية؟ وما الحوادث الجسام التي ادت الى توافر عناصر رهبانية الوردية؟ ومن هؤلاء الراهبات المتسربلات بالرزقة والبياض المنتشرات في جميع ارجاء الشرق الاوسط يعملن وشعارهن التفاني والتضحية ورائدهن الروح الرسولية؟

ان القارىء سيعرف كل هذه الامور خلال الصفحات التالية.  

 

" بنوك كفروع زيتون حول مائدتك"

 

سنروي لكم سيرة فتاة عربية من القدس، أبصرت النور في الرابع من تشرين الأول عام 1843 في كنف عائلة مسيحية ورعة. كان والدها يدعى دانيل فرنسيس عيسى غطاس ووالدتها كترينا انطون يوسف وتشير سجلات كنيسة القدس إلى أنهما اقترنا بسر الزواج المقدس في الحادي والثلاثين من آب عام 1840.

ينتمي آل غطاس في الأصل إلى بيت لحم مسقط رأسهم. إلا أنهم تشتتوا هنا وهناك، ويبدو أنهم غفلوا عن روابطهم العائلية الأولى ونجدهم اليوم في بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا، بعضهم من الروم الكاثوليك والآخر من الروم الأرثوذكس. ولا ندري في أي زمن انقسموا.

وكانت عائلة السيد دانيل تقطن القدس متميزة بالتقوى وممارسة الشعائر الدينية. وكانت ربة البيت تواظب على حضور القداس الإلهي كل يوم. أما زوجها فقد كان يطيب له أن يستقبل كل ليلة في بيته الأصدقاء والجيران لصلاة السبحة أمام تمثال السيدة العذراء، فيوقدوا لها الشموع ويحرقوا البخور... وكانت اعرق العائلات المسيحية في القدس تتبع هذه العادة الحميدة لتكريم السيدة العذراء.

وفي شهر أيار من كل عام كانت هذه اللقاءات تتخذ طابعاً جماعياً أوسع، فتعقد في كنيسة المخلص الراعوية. وكانت تسبق السبحة قراءة دينية مقتبسة في معظم الأوقات من كتاب " أمجاد مريم" للقديس الفونس ليغوري.

وعرف عن عائلة السيد دانيل غطاس أنها كثيراً ما كانت تذكر النفوس المطهرية في صلاتها. وثمة حوادث أصبحت مشهورة، تبين أن العائلة حظيت من تلك النفوس بحماية خاصة في مناسبات شتى.

ومن هذه التجليات الخارقة سنروي الحادثة التي جرت في إحدى ليالي الصيف ما بين القدس وعين كارم، حيث تذكر زيادة العذراء لاليصابات. وتبعد هذه القرية عن القدس نحو ستة كيلومترات جنوباً. وكان السيد دانيل غطاس يملك فيها منزلاً ريفياً تصطاف فيه أسرته، في حين كان يبقى هو دائباً على عمله في القدس لكسب معيشة اولاده. وفي هذه القرية الجاثمة في حضن جبال القدس وبيت لحم كان العرب المسلمون والمسيحيون يتعايشون بمحبة والفة وحسن جوار منذ اجيال كثيرة لا تنشا بينهم اية منازعة. الا انه في تلك الحقبة، كانت قبائل ابي غوش تستغل ضعف الوالي التركي حافظ باشا، وتزرع في معظم المناطق بذور الفوضى وتغذي روح الطائفية البغيضة، وتذيق السكان ضروب الاذى. وفي غمرة هذه الفوضى وفقدان الامن كان المسيحيون، لاقليتهم وضعفهم، في طليعة من مسهم الضرر واكثرهم تعرضاً للبطش والاذى.

   وشاع مرة ان شجاراً طائفياً نشب في تلك القرية. وما ان بلغ الخبر مسامع السيد دانيل حتى هب مسرعاً ليطلع على شؤون عائلته، فبلغ مشارف عين كارم عند حلول الظلام.

لقي هناك صديقاً لع كانه حضر خصيصاً لملاقاته فطمأنه بقوله: " عائلتك في امان. لكن حياتك انت في خطر. وحذار من مواصلة السير". فعاد دانيل ادراجه الى القدس. وطفق في الطريق يصلي السبحة لراحة النفوس المطهرية وفق عادته كلما شرع في سفر. وبينما كان يحث السير، خيل اليه ان فرقة من الجند غير مرئية تواكبه بقصد حمايته وانه يسمع وقع خطاها فشعر بالراحة والطمانينة.

ويروي ايضاً انه قرع باب المصلبة ( دير الصليب في القدس) ليقضي فيه ليلته لان اب القدس كانت مغلقة في تلك الساعة، فاستضافه رئيس الدير وكان صديقاً له. ولقد شهد هذا الرئيس بانه راى بام عينه جندا مدججين بالسلاح يرافقون ذلك المسافر الضيف.

وكان دانيل نجاراً وعملاوءه من بين اهل المدينة، الا انه كان يعمل بشكل خاص للاباء الفرنسيسيين. وكان بيته قبالة ديرهم يفصل بينهما شارع ضيق متعرج لا يزال يحمل اسم مار فرنسيس حتى اليوم. ولما تكاثرت عائلته، ضاق بهم البيت فهجره سنة 1860 وسكن ماميلا وهو حي جديد واسع. ويقال انه اول نصراني استقر خارج اسوار القدس، وكان سكناه هناك دليلا على شجاعته النادرة، وكانت زوجته لا تفتقر الى الشجاعة مثله واهلا لان تسمى " المرأة القوية الفاضلة" التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس. وقد انجبت له في ثمان وعشرين سنة عدداً كبيراً من الاولاد بلغوا تسعة عشر. ويبدو ان الرب عز وجل ابى ان يحمل كاهل الاسرة هذا البء الثقيل، فاستأثر باحد عشر منهم توفوا في سن مبكرة. وكان من شان هذه الوفيات المتتابعة ان تمزق قلب الام. ولكن عزيمتها لم تفل، بل انصرفت الى تربية الباقين بكل عزم وشجاعة. وقد ابقى لها الرب من البنبن خمسة ومن البنات ثلاثا. وهم عيسى (المولود سنة 1848) والياس (1851) وانطون (1864) وحنا (1867) ويوسف (1870) وسلطانة (1843) وريجينا ( 1856) وحنة ( 1858) وقد اعتنقت الفتيات جميعهن الحياة الرهبانية وسيم انطون كاهنا للرب وشق الباقون طريقهم في الحياة بتفاؤل ونجاح.

وكان دانيل غطاس رجلاً وقوراً. الا ان الرب لم ياذن له بان يعمر طويلا فقد توفي عام 1881 تحيط به كل ذريته، وله من العمر واحد وستون عاماً . وعاشت زوجته من بعده، وطعنت في السن وتوفاها الله سنة 1914 بعد ان تفرق شمل ابنائها في شتى الاماكن طلباًً للعمل. وهاجلر بعضهم الى القارة الامريكية.

 

الاميرة الصغيرة

 

لما اطل صباح الرابع من تشرين الاول عام 1843، الموافق عيد القديس فرنسيس، كان المصلون يتوافدون الى كنيسة المخلص الراعوية لحضور القداس الاحتفالي. وكانت النسوة يتهامسون امام باب الكنيسة في شأن آخر انباء الساعة، وهو ان الله قد رزق السيد دانيل ابنة اخرى. ولدى سماع الخبر، اخذ بعضهن يدعو للمولود بطول العمر لئلا يكون مصيرها مثل مصير اختها " امينة" التي ما كادت تقبل العماد المقدس في السنة السابقة، حتى توفيت وهي في عمر الورود.

وسميت الطفلة "سلطانة ". ومع ان اسمها يمت الى القاب العذراء المجيدة بصلة وثيقة، الا ان ذويها آثروا ان يضيفوا اليه في العماد اسم مريم، تيمناً بالعذراء سلطانة السماء والارض. وجرى عمادها التاسع عشر من تشرين الثاني أي في الشهر التالي لميلادها.

وليس في حوزتنا ما يطلعنا على سيرتها في سنين حياتها الاولى، كما لم تظهر عليها أي علامة فارقة تنبىء بالنعم الخارقة التي ستنالها فيما بعد. الا ان في وسعنا ان نلاحظ ان فتيات القدس، في تلك الحقبة اصبحن بفضل مشروعات الكنيسة الجديدة في حقل التربية والتعليم، افضل حظا من سابقاتهن. واهم تطور ايجابي سبق ان نوهنا به كان اعادة تثبيت اركان البطريركية اللاتنية في القدس عام 1847. وكان رائدها الاول البطريرك فاليرغا قد وطد العزم منذ وصوله في كانون الثاني عام 1848 على تامين التربية المسيحية للاجيال الصاعدة. ولم يغب الموضوع ذاته عن بال حارس الأراضي المقدسة الذي وجه نداء الى راهبات القديس يوسف في فرنسا يستقدمهن الى الديار المقدسة. وأعقبه البطريرك بنداء اخر اشد إلحاحا، فوصلت الراهبات في الرابع عشر من آب عام 1848.

وما كادت مدرسة الراهبات تعلن عن فتح ابوابها حتى اسرع الاهل الى ادخال بناتهم فيها،فبلغ عددهن المئة منذ السنة الاولى. ونجحت المدرسة واتت الثمار المرجوة مما شجع المسؤولين على تحقيق مشروعات مماثلة في مدن اخرى، فتاسست مدرسة للراهبات في يافا ( عام 1849) وفي بيت لحم (عام 1853)،وفي غر تشرين الاول من عام (1851)، انشىء في القدس اول مستشفى كاثوليكي وكل امره الى راهبات القديس يوسف.وعلى اثر مقابلة جرت بين البطريرك والسيد" فريدريك اوزنام" مؤسس جمعية مار منصور الخيرية، تم افتتاح فرع لها في القدس عام 1852. وسرعان ما ظهرت جدواها للعيان، فسرت بها العائلات المستورة ودعمتها العائلات الميسورة.

وفي السنة ذاتها افتتح البطريرك فاليرغا معهداً اكليريكياً لتنشءة الكهنة. فاستدعى اليه طلابه الذين كانوا يواصلون دراستهم في بلدة "غزير" بلبنان تحت إشراف الاباء اليسوعيين.

وبهذه التطورات الهامة ارتفع شأن كنيسة القدس وتحسن وضعها واصبحت قادرة على تأدية رسالتها على اكمل صورة.

وكانت " سلطانة" من الفوج الاول الذي باشر الدراسة في مدرسة القدس، ولما بلغت سن التاسعة، قبلت سر التثبيت مع 76 فتاة و 73 فتى على يد البطريرك فاليرغا الذي كان يرغب في اقامة مراسيم ذلك الاحتفال في كنيسة القيامة، الا انه لاسباب تتعلق بالوضع القانوني للاماكن المقدسة تم منح الميرون في كنيسة المخلص الراعوية. وحتى ذلك الوقت لم تظهر علامات خاصة تميز سلطانة الصغيرة عن اترابها في المدرسة حيث اخذت تتلقن مبادىء القراءة والكتابة والحساب ولا سيما التربية الدينية. وبعد نيلها سر التثبيت بايام معدودة، شهدت حلفة دينية فيها حتى اعماق كيانها وكشفت لها مثلا اعلى لم يخطر على بالها قط.

جرى ذلك في كنيسة المدرسة المتواضعة، حيث التفت صفوة من طالبات المدرسة حول غبطة البطريرك فاخذ يتحدث الى جمهوره الصغير عن الدعوة الى الحياة الرهبانية مشدداً على عظمة التكريس لله في هذه الديار المقدسة حيث عاش سيدنا يسوع المسيح وامه الطاهرة اولى المكرسات. ثم انهى خطبته بقوله: " اعتقد ان أي بلد لا يقدم للكنيسة كهنة وراهبات، لا يستحق ان يسمى كاثوليكياً".

ثم دنت من الهيكل فتاتان عرفت سلطانة أحداهما وكانت من كبار طالبات المدسة سناً، وكانت الاخرى من بيت لحم، فوشحهما غبطته بوشاح الرأس الخاص بطالبات الرهبانية ثم قال لهما: " الزما الامانة، فأنتما باكورة المدعوات الى الحياة الرهبانية في هذه المدينة المقدسة. وستقتفي آثاركما فتيات أخريات".

وسارت الفتاتان منذئذ على نظام دقيق خاص، وراجت اشاعات حول سفرهما المرتقب إلى فرنسا لمواصلة الدراسة والتمرس بالحياة الرهبانية. وكانت سلطانة تنظر الى زميلتيها نظرات اعجاب واكبار وحسد مقدس. واجلت فيهما التكرس لله وزهدهما في كل شيء من اجله. وقالت في نفسها : " وانا ايضاً اريد ان اصبح راهبة".

وفي مساء اليوم ذاته روت سلطانة لاهل بيتها وقائع ذذلك الاحتفال. واوشكت ان تبوح برغبتها لولا ان والدها لدى سماعه بقرب سفر الفتاتين الى فرنسا حسم الموقف مؤكداً انه لن يسمح لبناته بمغادرة البلاد. فخافت الفتاة وكبتت رغبتها مدة طويلة اذ لم تكن في فلسطين انذاك معاهد لاعداد الفتيات للرهبانية.ولاستجابة نداء الرب كان لا بد من مغادرة الوطن. وكان ركوب البحر مجازفة كبيرة،ولم تكن العائلة المحافظة على تقاليدها لتسمح لابنتها بالسفر الى بلاد الغرب التي تختلف عن فلسطين كثيراً.

وظنت سلطانة ان طريق الرهبانية قد سدت في وجهها الى الابد لعلمها ان والدها لن ينثني عن قراره. ومع ذلك فقد ظلت رغبتها قوية صادقة ملكت عليها حسها ونفسها. وبينما كانت الاسرة تصلي السبحة كل مساء، والوالد يتحدث لابنائه عن الام السماوية بحب وحنان، كانت الفتاة تسمع هاتفاً داخلياً يدعوها الى مصارحة اهلها بالحقيقة، غير ان خوفها كان دائماً اقوى من ان تجرؤ على البوح بسرها لاحد.

ومرت السنون. واصبحت سلطانة فتاة ناضجة. واثناء مواصلتها لدراستها، كان عليها ان تضيف الى عناء الدراسة اعباء العناية بشقيقيها الصغيرين. وعندما اوشكت ان تتخلرج اخذت الهواجس والظنون تساورها لانها ستضطر الى تتميم ارادة ابيها بشان مستقبلها.

وجاء اليوم المرتقب الذي ستقابل فيه اباها وتحدثه في شأن دعوتها. وياليت شاهد عيان حضر المقابلة فيروي لنا وقائعها المؤثرة.غير اننا لا نتجاوز حدود الحقيقة ان تخيلنا سلطانة جاثية امام والدها تستعطفه وتعلرض عليه قضيتها والدموع تسيل على خديها.

ومما لا شك فيه ان والدها لم يحد عن موقفه قيد انمله، وان الفتاة – ويا لسخرية القدر- لم تعد سلطانة الا بالاسم. اما بالفعل فلم يكن لها من سلطة على والدها بل وقفت امامه تلرتجف خوفاً ووجلاً. ولا نجد غرابة في ذلك اذا علمنا ان سلطة الوالدين انذاك كانت مطلقة لا تحتمل جدلاً ولا حواراً.

وبعد ان ذرقت الفتاة الدموع عبثاً، جثت امام اقدام السيدة التي لا تخيب املاً، تلك التي كانت العائلة كل مساء ترفع اليها التوسلات الحارة. وكثيراً ما كانت تسمع من والدها نفسه ان العذراء مريم خير ملجأ للانسان عندما تداهمه الصعاب ويجور عليه الزمان، وتظلم الدنيا في عينيه.

واثبتت العذراء مرة اخرى انها اهل لتلك الثقة. فاستجابت لنداء الفتاة، بشكل لم يكن يخطر على بال احد. فذات يوم كان والدها النجار منهمكا في العمل وممسكا بيده زجاجة سائل سريع الاشتعال. وفي لحظة ذهول افلتت من يده وتلقتها النار فانفجرت بعنف قاذفة السائل الملتهب في كل ارجاء المكان. وامتدت السنة اللهب الى الرجل المسكين فاحترق وجهه ويداه. فاستنجد بالعذراء محاولاً في الوقت نفسه اخماد الحريق بثيابه التي كان السائل قد بللها، فالتهبت هي ايضاً. ولم ينج الرجل من موت محقق الا باعجوبة من العذراء. وبقيت ندوب الجروح والحرق على وجهه ويديه مدة طويلة. وكرست سلطانة وقتها لخدمة والدها وبقيت بالقرب منه حانية عليه تمنحه من عنايتها واهتمامها ما تعجز عنه افضل الممرضات.

وكان دانيل رجلا شديد الايمان بالله. واثناء لياليه المسهدة الطوال وفي غمرة الامه الشداد اخذ يتامل في المقصد الرباني من وراء محنته ويقول في نفسه: " ربما ارادت السماء ان تقتص مني لاعراضي عن تلبية رغبة ابنتي". وكان هذا الولد سخياً بقدر ما كان عنيداً، وكانت ابنته ادرى الناس بذلك. واخذ ينثني عن موقفه السابق وبدأ الامل يسري في نفس الفتاة. وكانت ترقب كل هذه التطورات عن كثب. وسنحت لها فرصة مناسبة عرفت كيف تستغلها. فبينما كان والدها يثني عليها ويشكر لها عنايتها به، سألته بلطف وادب: " يا ابي، اذا منت عليك العذراء بالشفاء افتسمح لي بدخول الدير؟" فرمقها المريض بعطف وقال: " لقد سمحت لك، لاني وعدت العذراء بان امنح ابنائي الحرية في دخول الدير اذا هم شاءوا ذلك".

وفرحت الفتاة فرحاً عظيماً، وما كان منها الا ان القت بنفسها بين ذراعيه، وسرعان ما انطلقت لتزف البشرى السارة الى راهبات القديس يوسف اللواتي ما فتئن يشجعنها ويصلين من اجلها. وبعد ايام قليلة زار والداها غبطة البطريرك وقدما ابنتهما له. فباركها والتفت الى الام وقال: " بما انك تضحين بابنتك في سبيل الله سيجود عليك بافضل منها". وكأنه بكلامه هذا كان يكشف عن حجب الغيب. ولقد تحقق القول، فبعد عدة اشهلر انجبت السيدة " كترينا" مولودة اخرى سميت " حنة"، اعدت لها العناية الربانية دوراً كما سيتبين لنا في الصفحات المقبلة.

 

على خطى المسيح

ساهمت الخنة التي المت بدانيل غطاس في ثنيه قليلا عن عناده. وصحيح انه سمح لابنته بدخول الدير، الا انه ظل يشترط عليها الا تغادر ارض الوطن بأي حال. وسنرى ان الرب سيستخدم هذا العناد لتحقيق مقاصد الحكيمة.

 

مبتدئه فوق العادة

 

 ربما يبدو ظالماً الشرط المفروض على سلطانة، لا سيما في ايامنا هذه التي تيسرت فيها المواصلات الجوية تيسرا مذهلا. ويخيل الينا ايضاً ان راهبات القديس يوسف كن سيرفضن الفتاة حتماً لان جمعيتهن ذات اهداف تبشيرية تتطلب من افرادها التنقل حيثما تدعوهن الطاعة.

اما نحن الذين نعيش في بيئة شرقية يغلب عليها طابع المحافظة، فان في وسعنا ان نتفهم عقلية القرن الماضي ونعذر السيد دانيل بعض العذر لموقفه من ابنته، ذلك الموقف الذي كانت تؤيده جميع العائلات المسيحية المقدسة، لان الشعب، رغم احترامه واجلاله لراهباته،كان يحسبهن غريبات عن البلد من حيث الثقافة والعقلية. وقد عاصر هذه الامور تأسيس المعهد الاكليريكي الذي اخذ يعد ابناء الشعب الراغبين في الكهنوت. وسرعان ما اصبح موقف والد "سلطانة" مؤشراً الى تبلور الافكار ورغبة الناس في انشاء مؤسسة موازية للاولى تستقبل فتيات البلد الراغبات في الحياة الرهبانية. وها ان العناية الربانية تهيىء ابنة دانيل غطاس لتلك المهمة الجديدة.

وكادت عقبة كبيرة تحول دون قبول الفتاة في الدير. فمن المعروف ان اية راغبة في الترهب عليها ان تدخل في بادىء المر معهداً خاصاً بالمبتدئات للتمرس بالحياة الرهبانية. ولم يكن من السهل انشاء دار ابتداء خاصة بالقدس لان عدد الدعوات المحلية كان ضئيلاً جداً. ولكن من دواعي التفاؤل ان مؤسسة رهبانية القديس يوسف كانت قد عودت اعضاء جمعيتها المبادرات الجريئة. وبالرغم من ان عامين كانا قد مضيا على وفاتها، فقد اورثت بناتها نفحة من روحها. وكانت الرئيسة العامة الجديدة قد اشرفت بنفسها على تأسيس دير القدس قبل عشرة اعوام. فهي اذا مدركة تمام الادراك العقلية التي كانت سائدة في القدس.وعند دخول سلطانة الصغيرة المدرسة قبل سنوات، كانت هذه الرئيسة نفسها هي التي استقبلتها فعرفت طباعها وتقواها وفضيلتها. واذا اضفنا الى هذه الظروف الموآتية ما تحلت به الفتاة من خصال حميدة ومزايا فريدة، عرفنا كيف تذللت كل هذه العقبات. ورضيت الرئيسة العامة بشرط السيد دانيل وحصلت من الكرسي الرسولي على انعام خاص يأذن لهذه الفتاة " ابنة القدس" بان تتهيأ للحياة الرهبانية وابراز النذور دون دخول دار قانونية للمريدات (المبتدئات).

وفي الثلاثين من حزيران عام 1860 أي عشية استقبالها لعامها السابع عشر، حظيت سلطانة بهذا الامتياز الفريد وهو الاتشاح بثوب رهبانية القديس يوسف في اقدس بقعة في العالم على جبل الجلجلة. ووفقا للعادة المتبعة اعطيت الراهبة اسماً جديداً دلالة على بداية حياة جديدة. واصبحت تعرف بالاخت ماري الفونسين. وبهذا الاسم ستعرف منذ الان.

وقضت الاخت ماري الفونسين فترة الابتداء في دراسة قوانين الجمعية نصا وروحا واطلعت على تاريخ رهبانيتها. وكانت قد تأسست عام 1832 بفضل مساعي الام اميلي دي فيالار، ثم انتشرت بسرعة مذهلة حول شواطىء البحر الابيض المتوسط ، وحققت نجاحا باهراً في ميدان الرسالة والتبشير، فاستحقت منجزاتها الكثيرة ان تدون في سجلات الكنيسة بحروف من نور.

واعجبت المبتدئة بالروحانية الصافية التي كانت تتصف بها جمعيتها الناشئة وتبنت شعارها الذي هو: " التفاني حتى الموت ". يا لها من الفاظ مسيحية اصلية تكتسب بمحاذاة الجلجلة معاني بليغة. فتلك الكلمات ذاتها هي شعار المسيح الذي كتبه بحروف من دم، شعار التفاني الذي بلغ به حدا جعله يموت على خشبة العار ليمحو عارنا.

وكانت الاخت ماري الفونسين تحسب نفسها محظوظة لارتدائها الثوب الرهباني بالقرب من المكان الذي فيه صلب معلمها. ولله در اللحظات السعيدة التي كانت تقضيها بالقرب من العذراء ام الاوجاع، فتجد في تاملاتها معيناً لا ينضب تروي منه عطشها الى البر والتضحية. وكانت رئيستها تلحظ باهتمام بالغ الفائدة الروحية التي تجنبها هذه المبتدئة من ممارسة درب الصليب. ولذا كانت تأذن لها عن طيب خاطر بتكرار زياراتها الى القبر المقدس. اما زياراتها لاهلها فكانت مقيدة بنظام دقيق.

ومر زمان الاختبار بسرعة كما يمر طيف الاحلام السعيدة. ولما حانت الساعة لتلتزم امام الرب بالعهود المقدسة، تقرر مرة اخرى ان يكون جبل الجلجلة هو مكان ابرازها للنذور الرهبانية. وقدم لها البطريرك خلال الاحتفال، صليباً علقته على صدرها علامة تكريسها للمسيح. ولم يكن هذا الشعار ليبارحها حتى اخر لحظة من حياتها.

 

باكورة رسالتها

 

ولما اطل العام الدراسي الجديد، وكل اليها، نظرا لكفايتها المشهودة ولمعرفتها باللغة العربية، مهمة التعليم الديني في جميع الصفوف. فامتد تأثيرها على كل طالبات المدرسة. وكانت فعلا موهوبة بطلاقة اللسان حين تتحدث للنفوس عن الله تعالى. وكان لا بد لكل من ينظر اليها وهي تصلي او يستمع اليها وهي تتحدث عن العذراء، من ان يقع تحت تأثيرها فلا يمل الاصغاء اليها. وارتاحت اليها طالبات المدرسة ووثقن بها ولا سيما الكبار منهن. ولم تكن تزيد عن اكبر سنا الا بضعة اعوام. وقد افلحت في انشاء اخوية لبنات مريم اختارتهن من صفوة طالبات المدرسة وقدمتهن الى كاهن الرعية، فسر بالمشروع واطلق على الفرقة اسم " اخوية الحبل بلا دنس" تكريماً لامتياز العذراء الفريد الذي اعلنه رسمياً البابا بيوس التاسع سنة 1854، واكدته العذراء خلال ظهورها في لورد عام 1858.

ونتيجة لنجاح اخوية الفتيات وربما ايضاً تحت تأثير الاجتماعات المريمية التي اعتادت سلطانة الصغيرة المشاركة فيها في بيتها الوالدي في صباها، شرعت الراهبة الشابة تؤسس اخوية اخرى للامهات المسيحيات. وسر الكاهن ثانية واشترط ان تكون صاحبة المشروع هي نفسها المرشدة الروحية للفرقة، لما كانت تتمتع به من حماس متقد وغيرة رسولية. وما زالت هاتان الفلرقتان مزدهرتين الى اليوم. ولا نقدر ان نحصي اعمال الخير التي قامتا بها في المدينة المقدسة.

 

في جوار المهد

 

وبينما كانت الاخت  ماري الفونسين دائبة على عملها بهمة لا تعرف الكلل، جاءها امر الانتقال الي بيت لحم للقيام بالمهمة ذاتها.

ولدير بيت لحم قصة جديرة بان تعرف. اسسته " الام اميلي جوليان" بطلب من البطريرك فاليرغا الذي كفل تمويل المشروع، ولكنه قبل التمكن من انجازه عام 1853، واجه بعض الصعوبات في العثور على قطعة ارض تصلح للبناء ووجدت القطعة بالقرب من " قوس الزرارة" الذي يبعد عن كنيسة المهد نحو 500 متر وعقد صفقة الشراء احد كهنة البطريركية اللاتينية، الاب عبدالله كمنداري وهو من مواليد بيت لحم. وكان لا بد من القيام بالبناء في كتمان لان الحكومة التركية حظرت انشاء مؤسسات مسيحية جديدة. ولما علمت السلطات بالمشروع بذلت جهدها في وضع العراقيل للحيلولة دون اتمامه. فاكتفى الاب عبد الله بالحد الادنى من البناء. وفي عام 1853، وجه البطريرك الى المكتب المركزي لنشر الايمان تقريراً جاء فيه:

" توفقنا في جو من التحفظ، في شراء الارض والبيت لتأمين سكن الراهبات. وانفقنا مبلغ 20،000 فرنك في الشراء وفي بناء قاعة مجاورة تكون كنيسة للدير". ووصلت الى هناك اربع راهبات واخذ البطريرك على نفسه ان يمدهن باربعة الاف فرنك كل سنة، وكان ذلك كافياً لمعيشتهن. الا انهن لم يكن يحسدن على مسكنهن، فقد صرحت احدى الراهبات بقولها : " كانت رؤوسنا توشك ان تلامس السقف، وكانت بيوت الجيران تحاصرنا، وكنا لا نستطيع تجنب نظرات الفضوليين حتى ونحن داخل الدير. وحين وصلت الاخت ماري الفونسين الى بيت لحم، لم تكن حالة المكان لتختلف عما سبق، وبوسعنا اليوم ان نشاهد احدى غرف التدريس وهي شديدة الشبه بكهف مظلم محفور في جوف تل.

وكانت رعية بيت لحم تفوق رعية القدس اهمية وكان لها مدرسة مزدهرة. وكما كان متوقعاً من الراهبة فان غيرتها المعتادة كانت سوف تعطي النتائج المرجوة. وقد اخذت الاخت ماري الفونسين تصطحب خيرة فتيات المدرسة لحضور اجتماعات " بنات مريم" في القدس، الى ان تم تأسيس فرقة لهن في بيت لحم. وفي وقت لاحق انشئت اخوية الامهات المسيحيات.

وبعد انتهاء دوامها اليومي من المدرسة، كانت تلتقي باحدى الفرقتين، إما في مغارة الحليب وإما في كنيسة المدرسة. غير انها كانت تتخذ غرفة التدريس محورا لنشاطها، اذ لا شك في ان عقول الصغار اكثر مرونة من عقول الكبار،لان في مقدور المربي الحاذق ان يغرس فيها من بذور الفضيلة ما يشاء. ولهذا كانت الاخت الفونسين على صواب عندما عزمت على بذك اقصى جهدها في زرع بذور الايمان ومحبة الله والقريب في نفوس طالباتها. ويروي حادث عجيب يستحق الذكر جرى لها في المدرسة، فقد وضعت الراهبة في احد الصفوف تمثالاً للعذراء وجعلت امامه قنديل زيت يضىء ليل نهار، وضمنت تموينه احدى سيدات بيت لحم، من عائلة صابات كانت تسكن جوار دير الراهبات، وكانت تحتفظ بجرة الزيت في منزلها وتساعدها في المهمة ابنتها " نجمة" احدى طالبات المدرسة.

وذات يوم دخلت الاخت ماري الفونسين غرفة التدريس، فوجدت القنديل منطفئاً، فمضت الى الطالبة المسؤؤلة وقالت لها : " اذهبي الى البيت واحضري زيتاً لاشعال القنديل".

مضت الفتاة وعادت بعد قليل لتقول لمعلمتها وفي لهجتها اسف شديد : " لم يبق زيت في الجرة". فدهشت الراهبة والحت على الفتاة قائلة : " امضي وانظري جيداً عسى ان تجدي شيئاً ما في قعرها".

اطاعت الفتاة، وفي هذه المرة لقيت الجرة مليئة طافحة يسيل الزيت على جوانبها. وما كادت الراهبة تسمع بالاعجوبة حتى اسرعت لتتحقق الامر بنفسها. وفي غمرة دهشتها الشديدة اخذت تجمع الفائض من الزيت لاستعماله في دهن المرضى على امل شفائهم بشفاعة العذراء. وشعلرت بان هذه الاعجوبة جاءت مكافأة لها على ايمانها.

وما هي الا اسابيع معدودة حتى سنحت لها الفرصة للانتفاع بالزيت. ذلك ان احدى سيدات القدس وتدعى فيلومين لورنزو من عائلة مرقس، لم ترزق بنين وقد مضت ست عشرة سنة على زواجها.وكان هذا الحرمان يحز في نفسها كثيراً. فلما سمعت ما جرى في بيت لحم، دب في نفسها الامل واقبلت على الاخت ماري الفونسين تتوسل اليها ان تتنازل لها عن قليل من ذلك السائل العجيب. فغمست الراهبة قطعة قطن في الزيت وناولتها لها موصية اياها بالحاح بان تصلي الى العذراء مريم، بايمان وثقة، لان العذراء هي التي تشفي لا الزيت. ولم تمض سنة حتى كانت السيدة قد انجبت طفلة سمتها مريم اقراراً منها بجميل العذراء. وكبرت الطفلة، واصبحت فيما بعد عقيلة السيد نصري مروم وعاشت في القدس طويلاً.

يعسر علينا تحقق صحة كل هذه التفصيلات لان ابطالها لم يبقوا على قيد الحياة، الا ان القصة ليست من نسج الخيال، بل ان لها اساساً كبيراً من الصحة . ثم ان الاسماء الواردة فيها مثل صابات ولورنزو ومروم ومرقس اسماء عائلات معروفة الى اليوم ولا يرقى الى وجودها شك.

وفضلا عن ذلك فان هذه الحوادث الخارقة لخير مقدمة للامور الغربية اللاحقة.

                                                                                                   

كاتمة سر العذراء

 

سناتي على ذكر امور مذهلة من صميم العالم الاخر. ومن اجل تقييمها وادراكها نرى واجباً علينا ان نتعرف بشخصية الشاهدة الوحيدة التي مدتنا بكل تلك المعلومات.

 

مذكرات رائية

 

وبقدر ما كانت الاخت ماري الفونسين متقدة الحماس في نشاطها الرسولي وشديدة الاكرام للبتول، كانت أيضاً هادئة الطباع، رصينة، ومتزنة العقل بشهادة كل من عرفها. اما عن تواضعها فحدث ولا حرج، ففي كل المناسبات كانت تتجنب الظهور ولا ترغب الا في العمل الصامت ارضاء لوجه الله لا البشر.

وكانت على جانب عظيم من التحفظ. وبالرغم من انها حظيت طوال سنين متوالية بايحاءات سماوية فريدة، الا انها لم تطلع عليها سوى ثلاثة اشخاص مشهودة لهم بالحكمة والكفاية في الامور الروحية وهم: البطريرك منصور براكو ومرشداها الروحيان الاب انطون بللوني والاب يوسف طنوس. كما ان دورها الطليعي في تأسيس رهبانية الوردية بقي مجهولاً طيلة حياتها ، حتى ان اختها الام حنة دانيل التي شغلت منصب الرئاسة العامة عشرين سنة، لم تقف على حقيقة الامر الا بعد وفاة الرائية، وبعد قراءتها لمذكراتها. وكان مرشدها الاب يوسف طنوس قد امرها بتدوينها، فدونتها طائعة.

واذا كانت قد صدرت في السابق احكام اعتباطية لا اساس لها من الصحة تنال من الاب يوسف طنوس او الام  ماري الفونسين او حتى اصل الرهبانية فمرد ذلك الى جهل الامور الفائقة الطبيعة التي عاصرت نشأة رهبانية الوردية. ولذا اصبح من الاهمية بمكان ان تخرج هذه الوثائق من خزانتها وتنتشر لتفهم فهماً صحيحاً. ثم ان جوهرها يهم كنيسة القدس اهمية بالغة.

ومنذ البداية لا بد من الاشارة الى ان تحفظ الراهبة المطلق رغم ما قوبلت به من احتقار وازدراء وتواضعها العميق هما من الناحية البشرية خير شاهدين على صحة الرؤى والرسالة السماوية التي بلغت اياها. كما يضمن صحتها النجاح الباهر الذي حققته رهبانية الوردية خلال زمن قصير. فلولا هذه الاخت الفاضلة لما قدر للجمعية ان تشاهد النور.

وما اوردنا من ملاحظات امر ضروري قبل الشروع في سرد الحوادث. وسنتتبع عن كثب نص الاخت ماري الفونسين كما ورد في دفتري مذكراتها التي استهلتها بهذه العبارات:

" يا سلطانة الوردية المقدسة. صلي لاجلنا. باسم يسوع ومريم ويوسف، اني انا الامة الحقيرة الاورشليمية، اثبت بوضوح وايجاز نتفا من انعامات سيدة الوردية عملا بامر من لا يسعني مخالفته وهو مرشدي الرحي حضرة الاب يوسف طنوس الفاضل. وقد حدث ذلك في الثامن من تشرين الثاني سنة 1879" وتدلي في نهاية الدفتر الاول بالتصريح التالي:

لما ثبت القانون غبطة البطريرك لويس بيافي السامي الاحترام عام 1897، الزمني مرشد الرهبانية ان اضع يدي على المصلوب، واحلف مصرحة باني كتبت ما رايت وسمعت. فحلفت متكلة على المراحم الالهية، وسيدة الوردية وكتبت ما كتبت.

 

الظهور الأول

 

في الساعة التاسعة من صباح اليوم السادس من كانون الثاني عام 1874 الموافق عيد الغطاس كانت الأخت ماري الفونسين تصلي السبحة في مكان مزدان بابهج زينة احتفالا بعيد ميلاد الرب. وذلك في المدرسة الراعوية ببيت لحم. ولما انتهت إلى البيت الخامس من أسرار الحزن الذي يذكر موت يسوع على الصليب، تركز تفكيرها على العذراء أم الأوجاع وشعرت كان قلبها أصبح شعلة من نار يضطرم بحب البتول. وتجلى لها بغتة نور بهي ساطع لا يمكن وصفه. وعلى الأثر ظهرت لها العذراء القديسة باسطة يديها، منتصبة وسط غمام يتلألأ نوراً .

" وكان لونها لامعاً يتعذر علي وصفة وشرح جماله. وشاهدت على صدرها صليباً تتدلى منه سبحة دائرية تمر من وسط يديها المبسوطتين وتنزل حتى تكاد تصل أطراف ثوبها".

وكانت الخرزات الفاصلة بين أبيات السبحة تلمع لمعان النجوم في ليالي الصيف الجميلة. وفي وسط كل خرزة تمثل لها مشهد رائع من المشاهد الإنجيلية التي ترمز إليها الأسرار. ولم يدر في خلدها آنذاك إن ثمة علاقة وثيقة بين السبحة الوردية التي تبصر مشاهدها، وبين ما يخفيه لها المستقبل. وستدرك ذلك عن قريب ذلك عن قريب. أما الآن فحسبها أن تتمتع بجمال الرؤيا.

وعلى هامة العذراء كان يتلألأ تاج مرصع بخمس عشرة نجمة. وتحت أقدامها سبعة كواكب غائصة في الغمام. وفي الوقت لاحق سيعطى لها تفسير كل ما رأت.

" قد نظرت هذه المناظر كلها في وقت واحد. آه ما اسعد ذلك الوقت! وما أعذب ما شعر به قلبي من الشغف والحب الذي يتعذر علي شرحه. يا لها من أم جميلة لا يتيسر لي وصفها ولا أرى صورة تحاكيها جمالاً وبهاء. غير أن لما رايتها المرة الأولى، أخذت اسكب الدموع الغزيرة وشغفت بمحبتها، وانفتحت يداي وارتفعنا لمعانقتها وضمها إلى قلبي، فكنت أراها تزداد لمعانا ونوراً وهي تروم الدنو مني. وقد منحتني هدوءاً وحرية لكي أتأملها جيداً. فدنوت منها. وبعد هذا لست ادري ما حدث لي".

وحتى تلك اللحظات كانت الراهبة لا تزال واعية ومدركة لكل ما تشاهد امامها. وتذكرت جيداً الصليب وشكل السبحة ومشهد كل سر من الوردية، وعدد الكواكب وترتيبها. ولكن عندما همت بالاقتراب من العذراء، غشي عليها وكأن الرؤيا سلبتها حواسها، فلم تعد تعي شيئاً. وقالت : " ما عرفته هو أني مكثت في هذا الاختطاف العذب من الساعة التاسعة صباحاً حتى الساعة الواحدة بعد الظهر. فغابت عني وتركتني وأنا في حالة هدوء وسلام وتعزية روحية فائقة الوصف، واشتياق عظيم إلى رؤيتها ورغبة شديدة في ممارسة أعمال عظيمة وفضائل وافرة حبا للخير العام وحباً لها".

ولما ثابت الرائية إلى وعيها، شعرت كأنها خلقت خلقاً جديداً. ومنذ ذلك اليوم طرأ على حياتها تغير ملموس. فأخذت تمارس التقشف والزهد وإنكار الذات، معرضة عن كل ما يسرها، مقبلة على ما يعاكس إرادتها ويغبطها. لقد كانت النعمة هي التي سمت بها إلى هذا المستوى من الكمال. فلم تعد تجد لذاتها إلا في ممارسة التضحية. وقد وصفت حالتها الروحية لمرشدها قائلة:

" منذ تشرفت بزيارة أمي الحبيبة، أصبحت مجردة من كل عاطفة أرضية، ومن كل ما يؤول إلى الزوال. وغدوت متعطشة إلى احتمال كل صعوبة ومشقة مهما كانت. وصرت استحلي كل مرارة وعذاب واحسب الانفراد فردوساً لذيذاً والطاعة بهجة لقلبي وروحي، واستهلت تتميم أوامر رؤسائي بمحبة لا توصف. وأفاضت أمي علي غزير الفضائل دون استحقاق مني أو تعب لبلوغها. وقد أحرزت هذه الجودة كلها كرماً من فضلها الوالدي"

وتسنى لها أن تشاهد العذراء ثانية، ولكن بشكل خاطف. ففي الأول من أيار، وبينما كانت في طريقتها إلى مغارة الحليب، والسبحة في يدها، سمعت من فوقها هاتفاً يردد معها بصوت عذب: " السلام عليك يا مريم" فرفعت نظرها إلى أعلى وإذا بها تشاهد العذراء مرتين متتاليتين. ولما انتهت إلى مدخل المزار، أبصرتها مرة ثالثة حيث قدر لها أن تتأملها مدة أطول. ثم ما لبثت العذراء أن غابت.

 

تهدئة العاصفة

 

قضت الأخت ماري الفونسين بعد عيد الغطاس، أربعة اشهر زاخرة بالهناءة والفرح. وبينما كانت في قمة نشوتها، ارتأت حكمة الرب أن ترسخ في نفسها جذور التواضع. فأذنت للمجرب أن يذكرها بخطاياها السالفة، فراح ضميرها يوبخها توبيخاً شديداً، وطفقت تردد في صلاتها ما يلي:

" يا أمي : ما لك تتساهلين وتزوريني؟ هل نسيت إني خاطئة عظيمة ارتكبت آلافاً من الآثام؟"

وقد انتهز إبليس هذه الفرصة الذهبية ليتسلل إلى نفسها ويقنعها بأنها ليست أهلا لمثل تلك الانعامات الفريدة وبكونها ضحية مخيلتها الجامحة وفريسة حيل الشيطان. وقد سببت لها هذه الوساوس عذاباً نفسياً لا يطاق، وأخذت تحدث نفسها قائلة : " أخاف أن يكون هذا غشا وتجربة لأني مقتنعة بعدم استحقاقي لهذه الانعامات السماوية". وإذا بالمجرب الجهنمي يواصل الحاجة فيقول :" حذار، حذار، إنما كل ذلك خداع وتجربة". وكانت تذرف الدموع الغزار وتطلب إلى الله إلا يجعلها ريشة في مهب الريح وفريسة لأحابيل إبليس.

ودامت المحنة عدة أسابيع بدت أطول من دهر، إلا أن العاصفة هدأت، وعادت السكينة والطمأنينة إلى نفسها. وإذا بالعذراء تقوم بجولة جديدة لتزيح طرفا آخر من الستار الذي ما زال يحجب المستقبل.

 

 

 

 

بتولات الوردية

 

  و في نهاية أيار كان للراهبة موعد مع العذراء. و لنتركها تحدثنا عما جرى. "في اليوم الحادي و الثلاثين من الشهر المريمي،اذ كنت منفردة وقت المساء في المكان الذي ظهرت فيه مريم أمي للمرة الأولى، و أنا أتلو الوردية حسب عادتي،ظهرت لي أمي بغتة فرسمت على جبهتي اشارة الصليب".

لم هذا الاحتراز الذي لم تظهره في المرة الأولى؟ لا شك ان المحنة التي ألمت بها جعلتها حذرة محتاطة، أو على الأقل غير واثقة بنفسها.الا ان العذراء سرعان ما بددت شكوكها:

"شاهدتها وسط نور صاف كالابريز و السبحةالوردية بين يديها كالمرة الأولى" و تأخذ الرائية مرة أخرى في وصف مقتضب لما شاهدت العذراء تلمح:

الا انها في هذه المرة تضيف تفصيلا جديدا يفسر لنا معنى الكواكب السبعة الغائصة في النجوم التي تظهر في اسفل اللوحة:

"وعلى النجوم السبعة كتبت في حروف ذهبية لامعة أفراح البتول و أحزانها". و ثمة أمر جديد يتعلق بالمستقبل:

"و شاهدت مكتوبا فوق إكليلها:"بتولات الوردية السرية" و كانت الكتابة بنور صاف يتعذر علي تشبيهه و شرحه بالكلام".

و في هذه المرة أيضا لم تكن العذراء تتكلم، و إنما اكتفت بالظهور ساكبة في نفس الراهبة سعادة لا مثيل لها، كما لو كانت تريد  ان تعطيها فكرة أولية عما يتمتع به القديسون في السماء. ثم اختفت تاركة اياها و كأنها كما قالت" في فردوس سماوي".

و تعاقبت الشهور و هي طافحة بالسعادة على غرار ما شعرت به في أعقاب الظهور الأول. و لم يطرأ على سلوك الراهبة الخارجي أي تغير يذكر. و لكن من المؤكد ان تقواها و فضيلتها اكتسبا الشيء الكثير بفضل الاتصالات الروحية بوالدة الاله القديسة. و بالرغم من استمرارها على بشاشتها و محبتها للجميع، فقد أصبحت تؤثر الصمت و الاختلاء أكثر من ذي قبل، اذ كانت تخشى أن يطلع احد على سرها.

و ليس بضائر ان نذكر هنا بعض الشيء عن طبع هذه الراهبة. فمع أنها كانت تناهز الثلاثين من العمر لدى حصول تلك الظواهر السماوية، و رغم نضوج شخصيتها، فانها لم تتخلص بعد من الحياء الشديد الذي تميزت به و هي فتاة صغيرة و ظل يلازمها طيلة حياتها.

 و عما قريب سيزاح قسم اخر من الستار الذي ما يزال يجلل مقاصد العذراء بشأن المستقبل.

 

العذراء تصرح

 

ولنعد الى دفتر مذكراتها حيث كتبت تقول:

" مساء عيد الغطاس سنة 1875 كنت في نفس المكان اتامل سمو محاسن امي مريم وانا خجلة من عجزي عن الاقتداء بفضائلها".

ونلاحظ هنا ان الراهبة ما زالت تحت تاثير نعمة التواضع التي حصلت عليها في الربيع الماضي، ولكنها تبدو في هذه المرة مطمئنة البال، لان مخاوفها وشكوكها تبددت، ووطاة عذابها قد خفت:

" فاخذت التمس منها نعمة فعالة تجعلني اقتدي بها فيما تبقى لي من حياتي. لاني قضيت عمري بالخطايا عوضا عن الفضائل. وتلك حسرة جديدة ما برحت اشعر بها واقول اسفة: اه يا ليتني ابدا حياتي منذ اليوم! اذا لكنت بعونه تعالى اعيش عيشة اسمى مما فعلت حتى الان".

ولما انتهت في تاملاتها الى هذا الحد تغير المشهد على حين غرة لانه بمقدور التواضع والوداعة استمالة ملكة السماء وكسب عطفها.

" واذ كانت تتجاذبني مثل هذه الخواطر والعواطف شعرت بان افكاري تتجمع تجمعاً غريباً. ورايتني غارقة في بحر جوده تعالى، وابصرت نوراً عظيماً بهياً جميلا، يبهج النظر دون ان يزعجه".

وكانت تلك هي العلاقة المنبئة باقتراب مريم:

" وظهرت لي امي الحلوة في وسط هذا النور حاملة الوردية كالمرة الاولى ولكن في جمال ابهى واكمل مما رايت سابقاً".

وطرا على المشهد التقليدي شىء جديد، وكان العذراء تنوي الكشف عن مقاصدها تدريجياً، لا دفعة واحدة.

" وشاهدت صفين من البنات: الى يمينها والى يسارها. وهيئتهن كهيئتها وثيابهن كثيابها، ولمحت حروفاً منيرة مكتوبة في ذلك النور: " بتولات الوردية – رهبانية الوردية".

وفي هذه المرة سيذكر اسم المشروع الذي تبتغيه السماء، وستطلع الرائية على المهمة المعهود بها اليها. فبينما كانت تتامل المشهد المائل امام بصرها، قررت البتول ان تتكلم،لا كاهل الارض، بل كما يتخاطب اهل السماء، فيكون للكلمات رنين في القلب لا في الاذن:

" وإذ ذال سمعت صوت أمي في قلبي وهي تقول: " أريد أن تبدئي رهبانية الوردية". وكان من شان هذا الطلب أن يلقي الذعر في الراهبة لما يقتضيه من أقدام وجرأة. لذا ارتأت العذراء تقوية عزيمتها فرمقتها بنظرة حنان ملأتها غبطة وسروراً.

" وكانت تنظر إلي نظرة عطوفاً افعمتني لذة وعذوبة وأسالت الدموع الغزيرة من مقلتي. وأصبحت كأني في فردوس سماوي، ووهبتني تعزيات عذبة، ثم غابت وتركتني على هذه الأرض جريحة محبتها".

ولم تحسب العذراء ذلك كافياً. ومن أدرى منها بما يكتنف المهمة الجديدة من عناء ومشقة؟ لذا عنيت براهبتها الضعيفة الوجلة وزودتها بالشجاعة والقوة إذ سوف تدركها أيام فيها إلى هذا كله:

" وقد فهمت مما حدث لي أن مت هو مستحيل لدى الناس ممكن عند الله". وبقيت هذه الآية الإنجيلية ترن في أذنيها زماناً طويلاً. وأثبتت العذراء صحتها مراراً وتكراراً من خلال زياراتها المتعددة. وفي كل مرة كانت تمنح الراهبة المزي من القوة والتأييد وتحرضها على الصلاة.

" كانت تسرع إلى معونتي وإنقاذي. وكانت تلقني بأسلوب افهمه اشارات منظورة تدلني على بعض الأمور المستقبلة. وقد منحتني عبادة حارة ليسوع الهي في القربان المقدس ولتلاوة السبحة الوردية وممارسة رياضة درب الصليب".

 

العذراء تلح:

 

بعد ان بينت سيدة الوردية مقصدها بوضوح وجلاء، اخذت تستعجل عملية التنفيذ، وتشحذ همه بعض الاشخاص لتقديم المساعدة والعون. وبعد الظهور الاخير بثلاثة ايام اقبلت احدى طالبات الاخت ماري الفونسين تهمس في اذنها امرا يتعلق بالمهمة الجديدة. فادركت ان غيرها قد اطلع على مشروع السماء فذهلت. وكتبت فيما بعد لمرشدها:

" ما مرت ثلاثة ايام على ذلك حتى حضرت احدى بنات الاخوية تقول : انها بينما كانت تحضر القداس الالهي الهمت ان تبلغني ان انشيء رهبانية باسم الوردية المقدسة تنضم اليها بنات جنسنا".

ولدى سماعها ما لم يكن متوقعاً، اطرقت تفكر. واذ خشيت ان تكون هناك مكيدة ما اثرت الحذر والتلريث، فاجابت الفتاة:

" يجب علينا ان نصلي الى امنا مريم البتول كي نعرف ارادة الله تعالى في ذلك". وتضاعفت دهشتها عندما علمت في الايام التالية ان عدداً من " بنات مريم" يصلين ويكثرن من افعال الاماتة الجسدية كالصوم والتضحيات واعمال المحبة للحصول على نعمة تاسيس هذه الجمعية الرهبانية. فسرت الراهبة بكل ما رات. وفاض قلبها حمداً وعرفان جميل للرب والسيدة العذراء لهذا السيل المتدفق من النعم. ولكنها عادت الى الانتظار، فعسى ان يحدث على الساحة امر جديد ومرة اخرى، اخذت العذراء بزمام المبادرة واوحت الى الراهبة حلما نبوئياً يرسم معالم المستقبل رسماً اكثر وضوحاً.

" وفي غضون ذلك رايت في الحلم امي مريم البتول تحيط بها بنات عديدات، متشحات بثياب بيضاء وزرقاء كما رايتهن في السابق. غير انهن في هذه المرة كن متسربلات بثوب من نور. ثم قبضت مريم على يدي بشدة وقالت: " اريد ان تؤسسي رهبانية الوردية. اما فهمت بعد؟"

دب الذعر في روعها لدى سماعها الكلمات الاخيرة. ما الحيلة وكيف العمل وهي عاجزة كل العجز عن ان تقوم بهذا الدور القيادي الجريء؟ ولدفع المهمة عن نفسها، تبادر الى ذهنها هذا الجواب: " اني حقيرة فقيرة..." ولم تكن تدري ماذا تضيف الى هذه الجملة، الى ان اسعفتها فكرة جديدة ربما كان يكمن فيها الحل المنشود. فتوسلت الى العذراء قائلة:

" ارجوك ان تقبلي اختي حنة وان تكلي اليها هذه الخدمة. ارجو ان تنعمي عليها ان تكره الدنيا وتنصرف الى محبتك وخدمتك الشريفة".

لقد سبق ان عرفنا بعض الشيء عن اختها حنة التي ابصرت النور سنة دخلت سلطانة الدير. وكانت الاخت ماري الفونسين تجل وتقدر جرأة اختها واقدامها على العمل بعزم لا يعرف الكلل وتصميم لا يعرف التردد والملل. اما هي ، فكان من شان تلك المهمة الثقيلة ان تركبها. واذا ما رضيت العذراء بان تكون اختها هي المؤسسة للرهبانية المقترحة، هانت الامور في وجهها. غير انها خشيت ان يدل موقفها على جبن وتملص من التضحية. فتداركت الامر وقالت لامها السماوية:

" اما انا فلن اعرض عن المهمة، ولكني مستعدة لكل تعب تقضيه الرهبانية". فاجابتها العذراء وقد اشفقت عليها:

" اني اقبل اختك استجابة لطلبك. فاتكلي على رحمتي ولا تخافي. لقد سبق ان اعنتك في انشاء ثلاث اخويات باسمي وقدنجحت كلها بمعونتي، والان اشير ان تنشئي هذه الرهبانية وانا اعينك. وكوني على ثقة بان اخوية الوردية ورهبانيتها ستنجح وتتوطد الى يوم الدينونة، بشرط ان تباشريها طبقاً لاوامري والهامي".

" ثم امسكت بيدي بقوة وعلقت في عنقي الوردية التي كانت بيدها وقالت لي:

" انا امك اعينك واساعدك". قالت هذا وتركت يدي. وتابعت القول: ابدئي العمل واقصدي في بادىء الامر البطريرك منصور وبلغيه ذلك. فهو يدبرك لان ارساليات ابرشيته وغيرها ستزدهر بالوردية. ثم غابت عني وافقت من نومي".

وبهذه الامور التمهدية انتهت المرحلة الاولى التي كانت العذراء تقصد بها تهيئة الاداة البشرية واطلاعها على المهمة المطلوبة.

ولكن قبل ان تخرج الرهبانية الى حيز الوجود، كان لا بد لهذا الاداة البشرية من ان تمر على  المحك وتنصهر في بوتقة الالم لتتنقى من كل  شوائب الانانية وحب الذات.

 

الفن الالهي في التربية

 

في عام 1875، وبينما كانت الرؤى تتوالى على الاخت ماري الفونسين كما بينا آنفا، كانت نفسها مسرحاً لتغيرات عميقة. فعاشت زمناً غير عادي طافحاً بالنعم الروحية والتاملات الفردية. 

 

 مراسيم خارقة

 

ولنعد معا الى الظهور الاول الذي جرى مساء عيد الغطاس وجاء خاتمة لنهار حافل بالرؤى والانعمات. لم يكن ذلك الظهور سوى آخر حلقة من سلسلة متصلة ابتدأت في الصباح الباكر وانتهت بنهاية النهار ففي صبيحة ذلك اليوم سعت الراهبة مبكرة الى مغادرة المهد لحضور القداس الاول. وحظيت برؤيا غريبة. فبعد كلام التقديس، شاهدت نوراً ساطعاً ينبثق من الكأس وينتشر تدريجياً حتى شمل الهيكل والرائية نفسها.

وتمثلت لها المشاهد الدينية المعبرة عن عيد الغطاس. فاذا بالطفل الالهي قائم امامها يتالق نوراً وبهاء، والقديس يوسف ساجد له ينقل بصره بين الام وابنها. ثم اخذ المجوس يقدمون هداياهم. وكان هذا المشهد مجسماً امام ناظريها تجسيماً حياً في غاية الحسن والروعة. عجز قلم الرائية عن وصفه.

وتلت اللوحة الأولى لوحة ثانية تمثل عماد الرب الذي يرد ذكره في ليتورجية عيد الغطاس. فرأت الماء يتلألأ كالنور، وينسكب على راس يسوع وعلى كتفيه ولم تكن تفقه كيفية حدوث مثل ذلك. وشعرت كأنها غائصة في بحر الألوهية.

وتلاشت الرؤيا بعد المناولة،تاركة اياها في غمرة السكينة والفرح العميق وقد اعطيت قوة خارقة مكنتها من حضور خمسة عشر قداساً متتالياً وهي راكعة على الارض لا تشعر بكلل او ملل، مع انها لم تكن في اختطاف روحي بل شاركت في الصلاة كمثل مشاركتها الاعتيادية، الا اثناء القداس الخامس والعاشر والخامس عشر حين كانت الرؤى السابقة تتجدد على نحو ما جرى في القداس الاول.

وقبل ان تودع المغارة، حصل لها ما يندر حصوله في حياة المتصوفين وما لا يرد ذكره في كتب سيرهم واخبارهم، حتى ان الرائية نفسها اقرت بعجزها عن تفسير تلك الظاهرة:

" واذا بشعاع نور ينبثق من امي البتول وينفذ في. فغدوت جريحة محبتها، وسكبت دموعاً غزاراً و تأجج قلبي بنيران المحبة لله والبتول".

ولدى مغادرتها المكان، وهي تردد كلمات السلام الملائكي، شعرت كانها خلقت خلقاً جديداً.واحست في اعماق نفسها بطاقة كبيرة على الاحتمال ومحبة متأججة هيمنت على ارادتها. وكانت العذراء ترافقها في الطريق في صورة نجمة. وظلت هذه الحال تلازمها منذ تلك اللحظة. واضافت الرائية تقول:

" في كل قداس وفي كل زياح قربان اشترك فيه، كنت اشاهد نوراً ساطعاً ينبثق منه شعاع يخترق قلبي. فارى ربي يسوع المسيح الهاً وانساناً بانوار لطيفة فائقة الوصف وارى معه البتول الحنون".

زمن خلال ذلك النور، كان يتسنى لها مشاهدة اسرار الليتورجيا وفقا لترتيبها الزمني. وفي اعياد القديسين، لا سيما اعياد الشهداء الممتدة على مدار السنة، قدر لها ان ترى كل واحد وحده وهو حامل اشارة عذابه واضطهاده. وكانت ايضاً تعاين مجدهم ولا سيما مجد العذراء القديسة. ولم تكن تعرف كيف تعبر عن غبطتها وسرورها بهذه المشاهد الرائعة.

واما صلاتها فكانت تصعدها تعبيراً  عن حبها وعرفان جميلها، واعترافاً بعجزها عن الاستفادة من المراحم الالهية ونعم البتول. ولله در هذا الابتهال كان يتحرك به قلبها ولسانها:

" يارب، ان كنت تجود بتعزيات كهذه على خطأة لا يفتشون عنك، فما عسى ان تكون محبتك لاصدقائك ؟".

 

مقابلة البطريرك

 

حتى تلك اللحظة، لم تكن الاخت ماري الفونسين تعتقد ضرورة مصارحة معرفها بامر النعم الخارقة او جدوى البحث عن مرشد اخر. ولكنها اذعنت لمشيئة السيدة التي اوصتها بمقابلة غبطة البطريرك واطلاعه على ما جرى. فقصدته بعد موسم الاعياد الميلادية واخبرته بامر الظهورات والنعم التي نالتها، وما بلغها من ايحاءات تتعلق بالبطريرك فاليرغا الراحل، وبشخصيات أخرى، وما شاهدته من علامات تنبىء عن حرب مروعة. وكانت تشعر، اثناء المقابلة بحرج شديد. ولما انتهت الى موضوع تاسيس رهبانية جديدة تحمل اسم الوردية، اعتقل لسانها ولم تطلع غبطته على مقاصد العذراء. وربما كان الحائل خجلها الشديد او اعتقادهاان احدا لن يحمل كلامها محمل الجد.

اصغى البطريرك اليها بعطف ابوي، ودلها على ما يجب ان تفعل. فداخلتها السكينة والارتياح. وطلب منها ان تسترشد من كاهن ذي خبرة وموثوق به هو القانوني الاب انطون بللوني. واوصاها بالمواظبة على صلاة السبحة. وقبل انصرافها، اذن لها بان ترجع اليه كلما دعت الحاجة.

مضت الى مرشدها الجديد واصغت الى كل توصياته بروح بنوية، فالفت نفسها مطمئنة الضمير وفي مأمن من الاخطار الروحية.

وفي الظاهر، لم تكن الاخت ماري الفونسين تتميز عن زميلاتها الراهبات في شيء سوى جاذبية روحية فريدة، جعلت الطالبات يقبلن اليها ويحببنها شديد المحبة. اما هي فكانت توجههن صوب التقوى والفضيلة. الا انها اثناء القيام بشؤونها اليومية، بقيت شديدة التحفظ مخافة ان ينكشف سرها قبل الاوان او يدري احد بالنور الذي تشعر به في قرارة نفسها وينعكس في عينيها وكل كيانها.

وانطوى عام 1875 تاركاً فيها اثراً لا يمحى. فنفسها طافحة بنعم كثيرة وتواقة الى الاتحاد المستمر بالله وبالعذراء.

 

مواهب جديدة

 

وفي بداية عام 1876، ومع قدوم عيد الغطاس ، عاودتها رؤى العام المنصرم، في صورة ابهى من ذي قبل.

ولمست تغيراً يطرأ على حالتها النفسية، واذا بها تشعر بالهدوء والطمأنينة بعد ان كانت في السنة السابقة مندفعة الى اقصى الحدود. وعلاوة على اسرار عيد الغطاس شاهدت اسرار الوردية . فرأت العذراء مرة اخرى وحولها فوج من العذارى يرتدين ابيض وازرق.

وارتاحت لهذه الرؤيا وتمكنت من حضور عشرين قداساً متتالياً وهي منتبهة اليها ومشاركة فيها على افضل وجه. وهذه نعمة لم تحظ بها من قبل. كما نالت موهبة جديدة كانت تتكرر بعد المناولة وطيلة قيامها بالشكر. وفحواها انها بفضل النور الذي كان يغمرها اخذت ترى الحالة النفسية للاشخاص الذين تصلي لاجلهم وتعرف ما سيطرأ على حياتهم من امور.

وشعرت ايضاً بقوة داخلية مكنتها من ممارسة الاعمال الصالحة وتحمل الالم حباً لله. فاصبحت تجد الاماتات المألوفة والمأذن بها هينة وتفرح بانتقادات الآخرين لها وتنتهز الفرص للتأمل والتفكير. وبمعنىآخر كانت في حالة جديدة تشعر كأن حاضرها لا يمت الى ماضيها باية صلة. وقد عبرت عن شكرها لله بقولها: " ليت شعري، من اين حدثت لي هذه الحالة الا منك يا الهي، يا من غيرتني؟ فلك الحمد دائماً".

 

الوردية كنزك

 

بعد ان وقف القانوني الاب انطون بللوني على حالتها وعلى الرسالة التي وكلتها اليها العذراء لم يبد رأيه حالاً بل آثلر التروي والانتظار لعله يحصل على تفصيلات وضمانات جديدة. فأوصى الراهبة باقامة تساعية صلاة لتستطلع مقاصد العذراء ولتستعد لتتميمها. اما هو فقد وعد بالصلاة لاجل النية ذاتها لا سيما اثناء القداس الالهي.

ولما انقضت الايام التسعة المطلوبة تراءت مريم لامتها، لا تحيط بها هذه المرة مجموعة صغيرة كالسابق، بل جمهور غفير من الفتيات وهن مرتديات ثوباًُ رهبانياً ازرق وابيض على غرارها. وبعد ان نظرت اليها بعطف ومودة، قالت لها استجابة لصلاتها:

" متى تبدئين تأسيس رهبانية الوردية؟ تشجعي وتممي امري. اما فهمت؟ اني اريد رهبانية الوردية، رهبانية الوردية. فانها مزمعة ان تنزع من الارض كل شر وبلية".

وفي هذه المرة لم تتقاعس الراهبة عن حمل المسؤولية، ولم تظهر ادنى تردد وفتور بل خرت امام قدمي العذراء متوسلة قائلة:

" يا امي امنحيني الوسائل اللازمة فاني مستعدة".

فاردفت العذراء:

" ان الوردية هي كنزك، فاتكلي على رحمتي وثقي بالجود الالهي. وانا اعينك. ثم القت علي السبحة من يدها وغابت".

وما هي الا مدة وجيزة حتى تلا ظهور آخر. فبينما كانت الراهبة راكعة تصلي، وجدت نفسها تحيط بها من سيصبحن في المستقبل راهبات الوردية، وكانت العذراء بينهن متشحة بوشاح جميل يتدلى من كتفها. واعتلت صخرة شامخة وباركت امتها واومأت اليها بالنهوض:

" اثناء السر العاشر الذي يذكر صلب يسوع وموته رتبت الراهبات وباركت الجميع بصوت جمهوري وقالت:" ابارككن باسم الآب والابن والروح القدوس"، ثم ضمت يدها فوقنا واردفت قائلة: " اني اثبتكن باسم افراحي وباسم احزاني وباسم امجادي". قالت هذا وغابت.

واعقب ذلك ظهور ثالث جرى اثناء الليل، واتى مكملاً للظهورين السابقين:

" ورايت يسوع الطفل وامه. فصرخت قائلة: يا امي! وجثوت عند قدميها. فانهضني يسوع ومدت امي مريم يدها فقبلتها".

واذا بثلاثتهم يدخلون مكاناً يشبه الجنة بسبب ما احست الراهبة فيه من مشاعر الغبطة والسعادة. وهناك شاهدت القديس يوسف. فاسرعت اليه تشكو له همها الشديد، فسألته:

" كيف اعمل لابدأ تاسيس رهبانية الوردية وانا في رهبانية القديس يوسف؟" فأجابها بقوله:

" اريد ان تتمي بفرح ما انت مدعوة اليه".

واضاف مشيراً بيده الى العائلة المقدسة:

" اننا قد فرحنا وحزنا وتمجدنا معاً. واريد ان تخرج من رهبانيتي رهبانية الوردية". وشعرت الرائية عندئذ بالفرح والثقة. وعزمت على تنفيذ ارادة العذراء بجذافيرها مهما كلف الثمن. ولكن لما بدا كل شيء معداً، اخذت الامور تسير سيراً معاكساً ينذر بالخيبة والفشل.

 

المحنة

 

الصليب هو العلامة المميزة لمنجزات الله. وعلى وجه العموم، يقاس ازدهار هذه المنجزات بمقياس المحن والشدائد التي يجتازها خدام الرب ومنفذو ارادته. ولم تشذ عن هذه القاعدة العامة لا الاخت ماري الفونسين، ولا الجمعية الرهبانية التي ستخرج عما قليل الى حيز الوجود.

سارعت الراهبة الى اطلاع مرشدها على نتيجة التساعية. ولكن لم يمض وقت قصير حتى نشأت ظروف قاهرة اضطر الاب بللوني الى مغادرة البلاد، تاركاًاياها بدون سند او دليل، بينما كانت في امس الحاجة اليه.

وكان هذا الكاهن، الملقب بابي اليتامى منهمكاًفي مهمات كثيرة. وقد اسس قبل ذلك بسنتين جمعية رهبانية تحمل اسم العائلة المقدسة عازماً على ان يفوض اليها امر العناية بايتامه. وفي سنة 1876 قام برحلة طويلة خارج البلاد ليتمكن من معالجة المشكلات الكثيرة التي كانت ترهق كاهله. ونتيجة لغيابه، ذاقت الاخت ماري الفونسين الامرين. كما خاب امل الفتيات اللواتي كن يصلين ويمارسن التضحيات في سبيل الجمعية الرهبانية الجديدة على امل الانضمام اليها في القريب العاجل.

وعلى غرار معلمتهن كن قد اتخذن الاب بللوني مرشداً روحياً لهن.فاذا بغيابه يصبح سبب المحنة التي ستحل على يد كاهن رعية بيت لحم الاب ماتيو ليسيكي الذي قصدته الفتيات بصفته المرشد الروحي في مدرسة الراهبات، وابدين له الرغبة في انشاء رهبانية خاصة تضم بنات جنسهن.

لم يكن هذا الكاهن البولوني الاصل يفتقر الى الغيرة والتفاني. الا ان آفاق تفكيره كانت لا تتجاوز شؤون رعيته، وقد اشتهر بالقسوة والشدة. وكما هو متوقع، لم ترقه الفكرة، بل انب الفتيات بكل جفاءوخشونة مستخفاً  ممارستهن لاعمال التوبة. واشار عليهن بضرورة القيام بالواجب اليومي بدلا من مداعبة احلام زائفة والتفكير في رهبانية لن توجد خارجاً عن مخيلتهن الجامحة. ونسي او تناسى انه كان يتحدث الى صفوة طالبات المدرسة اللواتي زادتهن الفكرة حماساً دينياً ورغبة في التضحية والجود بالنفس.

وما عسى ان يكون موقف الاخت ماري الفونسين وسط تلك الظروف العسيرة؟ لقد توجهت نحو العذراء كما اعتادت ان تفعل، وسالتها ان تقصي عنها تلك الكأس المرة، فتراءت لها مريم في الحلم قائلة: " ان هذا الكاهن لا يحبني فقولي للفتيات الا يلجأن اليه بشأن رهبانيتي".

لكن ما حيلتها؟ والى من تمضي؟ ومن لها بالمشورة والنصح؟ ومن المذهل حقاً انها لم تفكر في الالتجاء الى البطريرك رغم توصيته الصريحة باللجوء اليه عند الضرورة. ولعلها فطنت الى الامر، ولكن الخوف من عواقبه حال بينها وبين الاقدام عليه. ونقرأ في مذكراتها في شأن كاهن الرعية:

" لم اكن استصوب كشف ضميري امامه، غير ان تعذر الحصول على اذن يجعلني استغني عنه اضطرني الى استشارته مكرهة. وكنت اخشى ان يعتريني في موقف كهذا خداع شيطاني او خطأ يفضي بي الى الهلاك".

ولم يكن من اللجوء اليه اي مفر. فطفقت تتوسل الى الله بكل عزمها وتقول: " يا رب الهمني فانت اكرم دليل". وبعد ذلك اتكلت على الرب وعون البتول ومضت الى الكاهن تطلب مقابلته. وكان ذلك في الثامن عشر من شهر ايار.

استقبلها الاب ليسيكي في مكتبه وكانه كان في انتظارها. فعرضت عليه حالتها الروحية بكل تواضع وبساطة. وذكرت النعم الماضية والحاضرة وامر السيدة العذراء. الا انه لم  يعر اقوالها آذانا صاغية بل تظاهر بالانشغال بتقليب اوراق بين يديه. وكان حذرا منها وغير مصدق لها. ولما فرغت من الحديث، نهض من مكانه، عابس الوجه، مقطب الجبين، وابدى رايه بلهجة حازمة قائلاً :" تلك احلام وخفة عقل". وامرها ان تقبل الارض وتستغفر الله لتصديقها تلك الاوهام، ولتجرؤها على التفوه بمثل تلك الاقاويل. وفرض عليها اموراً تثير دهشتنا، فقد منعها النظر الى صورة العذراء او الدنو من هياكلها بهدف الصلاة او وضع الزينة، وطلب منها اذا عاودتها الرؤيا مرة اخرى، الا تفعل شيئاً سوى ان ترسم اشارة الصليب بالماء المقدس. وحظر عليها رفع عينيها اثناء القداس او النظر الى النور المنبعث من فوق الهيكل. واذا حدث ان تطلعت اليه، فلتقم باحصاء عدد المرات لتقر معترفة بها... واغرب من ذلك انه لم يأذن لها بالمناولة الا مرتين في الاسبوع.

طأطأت الراهبة المسكينة رأسها لكل أوامره ونواهيه بروح الطاعة والايمان رغم الامتعاض الشديد الذي انتابها. وكانت تقول متنهدة:" ما اقسى هذا الارشاد، وما اشد توجع قلبي!".

ولم يكن الكاهن يتعمد الشر. فقد كان كل ما اراده ان يختبرها على الطريقة المتبعة في ذلك العصر. وكيف لا نتذكر المقابلة التي جرت بين برناديت وبين كاهن رعيتها قبل ذلك التاريخ بسنوات فقط؟ ففي كلتا الحالتين كانت النية متشابهة مع هذا الفارق وهو ان برناديت كانت لا تزال فتاة صغيرة تذهب للاستماع الى دروس الدين، وللكاهن عليها دالة وسلطة. اما الاخت ماري الفونسين فقد كانت راهبة واعية، ناضجة وافضل من في الرعية سيرة وفضيلة ومع ذلك كله لم يتسرب اليأس الى قلبها. وكتبت تقول:

" اذا كان الاب قاسياً، فالام رؤوف عطوف. اجل، انها حنت علي واصبحت تتجلى لي اكثر من ذي قبل وتعزيني وتدنو مني وتفعم قلبي لذة فيغدو كفردوس سماوي".

وكان حنان العذراء كفيلاً بتعويضها من تلك القسوة. فوهبتها نعمة فريدة. كان الكاهن قد اذن لها بمناولتين في الاسبوع، فاطاعت واكتفت بالنظلر الى القربانة عن بعد دون ان تجسر على الدنو من الهيكل الا ان العذراء لم ترض بما فرض على امتها الوفية. فبادرت الى تعويضها من ذلك الحرمان بالطريقة التي رأتها مناسبة. وهذا على الاقل ما نتحققه من خلال هذا النص الذي كتبته بلغة بسيطة:

" ولما كنت اتناول تناولاً روحياً، كانت امي البتول تدنو مني ملتحفة بانوار ساطعة حاملة بيدها شيئاً من نور، مستديرالشكل، فيدخل فمي وقلبي فاشعر باني اتناول القربان الاقدس حقيقة، واحس حلاوة عسلية تنصب في فمي فاؤجل تناول الطعام قدر ما يمكن مخافة ان افقد تلك الحلاوة الغريبة".

واخذت النعم تتعاقب عليها. فكثيراً ما نهضت اثناء الليل ورأت نفسها محاطة بهالة من النور وسمعت اصواتاً رخيمة تنشر امجاد مريم. فكانت تأخذ سبحتها وتصلي الوردية كاملة. الا ان الكاهن حظر عليها ذلك فيما بعد، فأطاعت واستبدلت بالسبحة تأمل اسرارها ومعانيها لان النهي لم يشمل هذا الامر. وانقضت ثلاثة اشهر كانها ثلاثة اعوام. وفي شهر ايلول، استدعاها الكاهن لتؤدي له حساباً دقيقاً عما فعلت. وكتبت تقول:

" استدعاني مرشدي وسالني عما اذا انفذت جميع اوامره ونواهيه. واستفسر عما عرض لي. فصرحت له باني فعلت ذلك حرفياً".

وارتاح الكاهن لهذا التقرير. فسألها عن حالتها الروحية. فلم تخف عليه ان العذراء واصلت الظهور وارشدتها الى امور كثيرة. فامرها بان تسال السيدة لدى ظهورها القادم عما تريد منها.

ظنت الراهبة من فرط سذاجتها ان محدثها سيتحول عن مواقفه السابقة ليتبنى مقاصد سيدة الوردية. ولكن العذراء كانت ادرى بخفايا القلوب.فأبت أن تجيب عن سؤال الكاهن. ومنذ ان بدأ ذلك الإرشاد الجديد، كانت تكتفي بالظهور وتشجع أمتها الوفية بابتسامة ساحرة.

إلا أن الراهبة، بعد مدة وجيزة، أبصرتها في حلم ليلي، وسمعتها تقول: " ابدئي تأسيس رهبانية الوردية وأنا أعينك" فاتخذت ذلك جواباً عن سؤال الكاهن فقصدته ونقلت إليه كلمات العذراء حرفياً. وما كاد ينتهي من الإصغاء إليها حتى عاودته خشونته الأولى، فكرر الأحكام السابقة. واستمر هذا النظام عاماً كاملاً ويوماً واحداً، ابتداء من أيلول 1876 حتى الشهر ذاته من السنة التالية.

وبعد هذا التاريخ، يبدو انه رضي عن طاعة الراهبة فرفع عنها الخطر وأذن لها بالمناولة اليومية والدنو من هياكل العذراء وممارسة الأمانة الجسدية، معيداً إليها كامل حريتها الروحية.

وانتهى أخيرا زمن الاختبار وبدأ فصل جديد من حياتها. فرغم أنها كانت لا تزال راهبة في جمعية القديس يوسف، إلا أن العذراء ستجعلها تحيا بالرؤى والظهورات ، حياة راهبة للوردية.

 

رؤى نبوية

 

بموت يوحنا الإنجيلي، وهو آخر الرسل، انتهى العهد الرسولي، عهد الكتب المقدسة الذي تحبسه الكنيسة عهد الوحي الكامل بشخص يسوع المسيح، لذا أضحى من واجب الكنيسة، والحالة هذه، أن تكتفي بتفسير ما ورد في الكتب المقدسة لتستمد منها قوانين الإيمان ومبادىء السلوك المسيحي.

وهذه الحقيقة الراهنة لا تتنافى وإمكانية الإيحاءات الخاصة التى يبلغها الله بعض خدامه الأوفياء لأمر ما يتعلق بهم أو بالكنيسة المحلية. وهذا الوحي الخاص، مع أهميته وعلو شأنه، لا يفرض على الكنيسة جمعاء، بل هو مقصور على زمان ومكان معينين. وتكون درجة تصديقنا له بمقدار ثقتنا بناقله. وقد سبق أن تحدثنا عن المحن التي تداهم خدام الله وتظهر صحة أقوالهم. وكلما قويت المحنة وازداد الرسول عناداً وكابرة، ازدادت احتمالات صدقه ونزاهته. ذلك انه لا يعقل أن يتألم إنسان من اجل قضية كاذبة لا يؤمن بها. ومن ناحية أخرى، نحن محظوظون بالانتماء إلى بلاد التوراة منشأ الوحي، حيث عاش الأنبياء والرسل منذ عهد موسى، كليم الله حتى آخر رسل العهد الجديد الذين تخضبت هذه الأرض بدمائهم الزكية. هنا كتبت معظم الأسفار المقدسة ودوى صوت الرب يسوع واعظاً ومرشداً. وسار على أرضنا مقدساً كل ذرة من ترابها وكل قطرة من مياهها وكل نسمة من هوائها. ولم لا يختار الرب في هذه الأيام بعض أصفيائه المقربين ليطلعهم بطريقته الخاصة على جزء من مخططاته لخلاص البشر؟ وفعلاً، لقد اصطفى الأخت ماري الفونسين وكشف لها عن أمور تهم كنيسة القدس بشكل خاص.

ودعونا الآن نستمع إلى ما قالته الرائية لمرشدها:

" شاهدت يوم عيد سيدة الوردية يسوع الهي وسط نور عظيم ( هذا النور الذي يبهر القلب دون أن يؤذي العين) وقد عزاني جداً".

ويجوز لنا القول أن سيدنا يسوع المسيح قصد بهذه اللفتة السامية، تعزية أمته عن اشهر الجفاف التي مرت بها واحتملتها طائعة صاغرة. ولا يتهيأ لنا أي تفسير آخر يتعلق بالمستقبل، لان الراهبة كانت على وشك ان تدخل عالماً جديداً من الاكتشافات الروحية المذهلة.

ثم تغيرت الإضاءة فجأة وإذا هي تبصر بيئة جديدة:

" فرأيت ديراً مستديراً على شكل سبحة، وسيدة الوردية واقفة على سطحه، وتحيط بالدير خمس عشرة نافذة على كل منها راهبة من راهبات الوردية. وعلى هامة كل منهن اسمها واسم سر من أسرار الوردية. هكذا: مريم البشارة، مريم الزيارة، مريم الميلاد، وهلم جراً .

ولا شك أن الدير بشكله وعدد نوافذه، يوحي بأنه وردية حية. ومن الطبيعي أن تسعى الراهبة وهي في أوج دهشتها إلى معرفة نافذتها حيث كتب اسمها واسم السر الذي ستتم به حياتها.

" ورأيت ذاتي في النافذة العاشرة باسم مريم الصليب"

ويعني ذلك أن حياتها ستكون مرتبطة بالسر العاشر الذي يذكر صلب يسوع وموته، وان نصيبها من الدنيا سيكون العذاب والألم. وجاءت هذه النبوءة لتؤكد ما مضى ولتنبىء بما سيأتي. وبالفعل، ألم تتشح الراهبة بالثوب الرهباني على جبل الجلجلة؟ الم يكن محور تأملاتها إبان زمن الابتداء صليب المسيح والأم البتول؟ إن مقاصد الرب ومخططاته تسير في خط مستقيم، ولقد سبق أن أنبأها بان درب الصليب هو حظها من الدنيا الزائلة.

مرت هذه الذكريات في مخيلتها دفعة واحدة. ولاحظت العذراء أمتها شاردة الفكر، تنظر إلى المستقبل بفزع وهلع، فطمأنتها وسكبت في فؤادها جرعة كبيرة من العزاء، وكانت الجرعة قوية أفقدت الراهبة وعيها.

" وكانت سيدة الوردية منتصبة فوق باب الدير تتفرس في بشفقة وحنان، وقد افعمتني بهجة ونورا. وبعد هذا لست اعرف ما عرض لي لأني شعرت بان قلبي ذاب من المحبة. ومن يحب يفهمني..."

 

الراهبات أثناء العمل:

 

ويبدو أن غيبوبتها لم تدم طويلاً، وسيتاح لها فيما بعد التفكير في مصيرها وفي السر الذي سيسم حياتها بوسم الألم. أما الآن فلا تترك لها العذراء مجالاً لمثل هذه التأملات فقد كان ثمة ما هو أولى بالاهتمام:

" ثم رأيت أمي البتول متسربلة بالنور وقد مدت يدها وأمسكت بيدي وفتحنا معا باب الدير المذكور".

وفي داخل الدير رأت الزائرتان جماعة الراهبات دائبات على العمل، كلا في المهمة الموكولة إليها. وبدا أن الوردية ستكرس جزءاً كبيراً من جهدها لمهمة التعليم:

" فأرتني راهبات الوردية : كل واحدة في موضعها، تحيط بها عدة بنات. ولكل مجموعة اسم سر من أسرارها".

وتتبلور هنا الخطوط العريضة التي ستسير عليها الرهبانية، فهي في الدرجة الأولى مؤسسة مريمية:

" ثم انفتح قلب أمي البتول فدخلن جميعاً فيه. يا له من مسكن سعيد اعد لرهبانية الوردية المقدسة!"

وفضلاً عن مهمتها التعليمية، ستكون هذه الرهبانية مدرسة تأمل وصلاة. فلا غرابة إذا احتلت سبحة الوردية منزلة الشرف ومنحت اسمها النبيل للمؤسسة الجديدة.

وأثناء رؤيا أخرى، وجدت الأخت ماري الفونسين ذاتها داخل هذا الدير، وقدر لها أن تطلع على نظامه وتشارك في حياة الراهبات كما سوف تحياها في المستقبل:

" وذات ليلة ( لسنا ندري أفي الحلم أم في الحقيقة)، شعرت وكأني في دير الوردية ومعي مريم أمي، متشحة مثلنا بثوب راهبات الوردية. وكانت الراهبات والبنات في خمسة عشر صفاً، وأمي واقفة في كل الصفوف في وقت واحد".

ومر أمام عينيها آنذاك شريط يصور الحياة اليومية مع نشاطاتها المتنوعة. وتشرفت بان تكون العذراء دليلها أثناء الزيارة. وإنها لنعم الدليل أبدا. فأخذت بيدها ودربتها على ما يجب فعله. وتوالت الساعات اثر الساعات دون أن تشعر بكلل أو ملل.

 

الوردية الدائمة:

 

" وكنت أراها بالقرب مني تحدثني قائلة: الآن نصنع هذا ثم ذاك. وكان كل شيء يتم طبقاً لأمرها. وكنت في تلك الرؤيا أحسب أني سكنت الدير زمانا طويلاً".

ولا تذكر الراهبة نوع العمل وتفصيلاته بقدر ما تلح على تعداد أنواع الصلاة:

" وكنت أتلو صباحاً مع الراهبات جزءاً من الوردية أعني أسرار الفرح، ونتلو في منتصف النهار أسرار الحزن، وعند المساء أسرار المجد. وكانت الراهبات يتلون الوردية بالمناولة كل واحد بدورها وهي ساجدة أمام مذبح سيدة الوردية. وينتهي النهار بتلاوة فرض السيدة الصغير".

ولم تكن صلوات النهار كافية. فقد كان على المجموعة أن تنهض أثناء الليل لتصلي الوردية كاملة. وقد أضفى ذلك على حياة الراهبات طابعاً تقشفياً صارماً.

" وكنا ننهض في منصف الليل وأمنا مريم البتول منتصبة على مذبح لامع، فنتلو جميعاً الوردية كاملة ونرتل السلام الملائكي ونعود إلى الرقاد حتى الصباح".

وهنا يجوز التساؤل عن مشاركة العذراء في الصلاة: أكانت تلفظ الكلمات أم تكتفي بتمرير حبات السبحة بين أناملها؟ في الواقع لا نلقى جواباً عن هذا السؤال في مذكرات الراهبة. إنما الراجح أن العذراء فعلت هنا كما سبق أن فعلت في لورد، إذ بقيت صامتة طيلة وقت الصلاة ولم تشارك إلا في تلاوة " المجد".

وربما يتبادر إلى الذهن أن هذا البرنامج اليومي الحافل بالصلاة ليل نهار كان كافياً. لا، لم يكن كذلك، بل كانت الجماعة تتناوب أيضاً تلاوة السبحة الدائمة، فتجثو كل راهبة بدورها أمام هيكل العذراء وتلبث هناك إلى أن تحل محلها راهبة أخرى. وهكذا دواليك.

وبعد أن شاهدت الرائية كل ذلك، أبدت العذراء إرادتها بحزم:

" وشعرت بان أمي أمسكت بيدي وقالت لي: اصنعي كما رأيت. ثم أمسكت بي بشدة وقالت: أمسكت بيدك لأني أريد أن تتلى في الدير الوردية الدائمة ليلاً ونهاراً".

وفضلاً عن كل ما سبق، اطلعت الرائية على ممارسات أخرى غير الصلاة: " وكانت تنشد دائماً أنغام مستعذبة. وفي يومي الأربعاء والسبت كن يصمن صياماً خاصاً إكراماً للوردية".

دامت الرؤيا في هذه المرة طويلا. والجديد في الأمر أن الراهبة لاحظت تحرك العذراء وتأهبها لمفارقتها بعكس ما كان يحدث في المرات السابقة، إذ كانت تختفي كلمح البصر:

" فحدقت إليها ورايتها تودعني. فتشبثت بها بشدة". ولان رحيلها أصبح وشيكاً انتاب الراهبة قلق شديد وعلت وجهها علامات الكآبة".

" وابتهلت إليها أن تأخذني معها ولا تتركني. فأنهضتني بيدها إذ كنت جاثية عند قدميها وشجعتني قائلة: ستأتين معي بعد أن تتمي إرادة الله وإرادتي وتصنعي كما رأيت وكما أوصيتك. واعلمي يا ابنتي أن بناء دير الوردية سيبدأ في القدس بعد خمسة عشرة سنة. أما أنت فستأتين معي بعد أن تتعذبي وتحتملي كثيراً من راهبات الوردية أنفسهن. قالت هذا وباركتني وانصرفت. فانتبهت وكأني كنت محاطة بنور عظيم، وطفقت أتلو صلوات لفظية حارة متضرعة إلى أمي الحبيبة أن توفقني في تتميم إرادتها". آه يا مريم أمي. ترى من يفهمك؟ بل من يمكنه أن يدرك جودتك وشفقتك على بنات جنسك ولا سيما الحائرات منهن في أمر توجيه حياتهن؟".

 

مشهد جديد في المستقبل

 

لم يكن فراق العذراء لخادمتها وداعا نهائيا. بل ستحظى بظهور آخر ذي مغزى عميق. ولكن لا نعرف عن موعده سوى انه تم في صبيحة احد السبوت. فبعد أن أفاقت الراهبة من نومها، أخذت تتلو السبحة وتتأمل في أسرارها ومعانيها. فاستولت عليها نعمة الرب وسلبتها وعيها ونقلتها إلى دير الوردية من جديد. ويتضح هذه المرة أن للراهبة في المؤسسة الجديدة دور الأم الحانية على بناتها. ولنسمع إليها وهي تروي لنا كيف شاركت في حفلة ارتداء الثوب الرهباني. لقد كانت نموذجاً يجب الإقتداء به في المستقبل.

" فرأيتني، كأني في دير الوردية أمام مذبح أمي. وكنا عدة راهبات وبنات نتأمل معا قبل القداس سر تقدمه يسوع إلى الهيكل. ثم رأيت ابنة للعذراء تدخل الدير وقد أمسكت أمي مريم بيدي وبيدها. فطفنا بها معا وقدمناها للكاهن، فقدمها الكاهن لله أمام المذبح الذي كانت أمي واقفة عليه، وسبحة الوردية في يدها.

فخرت تلك الابنة جاثية على قدمي أمنا مريم البتول وقبلتهما ثم طفقت تتلو السلام الملائكي وكررته ألف مرة. وكنت اسمع آنذاك أصوات الملائكة تتلو السلام معها وتعيده المرة بعد الأخرى. وإذا بغيمة بيضاء متلألئة بأشعة بهية قد خرجت من لدن أمي البتول ووقفت فوق هامة تلك العذراء المتوشحة بثوب راهبات الوردية".

 

وستدرك الراهبة معنى تلك الخيمة

 

"وكانت البتول مريم تسكب عليها رويداً رويدا صبغة من الفضائل السامية التي تزين النفوس المستعدة لقبول مواهب مريم أمي. وعند نهاية " السلام" الألف، انحدرت الأم الحبية وأمسكت بيد البنت اليمنى وأمرتني أن امسك بيدها اليسرى. وهكذا سرنا بين أناشيد الملائكة المحيطين بأمنا حتى بلغنا مذبحا مزدانا بأبهى زينة تعلوه صورة العذراء سلطانة الوردية طبقاً للصورة المثبتة آنفاً . وكان المرشد الذي اختارته أمي البتول واقفاً هناك. فرحب بالابنة ووشحها بثوب الرهبانية وباركها باسم الأب والابن والروح القدس. ثم اخذ الوردية من يد البتول أمي وطوق بها عنقها ووضع يديه قائلاً: أثبتك باسم أفراح البتول وأحزانها وأمجادها. ثم كلل هامتها بإكليل من ورد. ثم طفنا حول المذبح الشريف بين أناشيد الراهبات ترافقنا أمنا الحلوة والمرشد الأمين. وكانت أصوات علوية ورائحة عطرية ولذات سماوية تشغف الفؤاد جعلتني أغيب عن الوجود. ثم شعرت بيد أمي البتول تقويني وسمعتها تقول لي: قد جرى هذا أمامك وبك لتفهمي أن دخول البنات في رهبانيتي ينبغي أن يكون على هذا النمط. هل فهمت؟ وبعد هذا رأيت تلك الراهبة الجديدة منفردة تصلي عاكفة طول النهار على الصوم والصلاة ومحبة أمنا مريم البتول".

 

الحياة اليومية في الوردية

 

وأجملت الرائية آنذاك وصفا للحياة التي ستعيشها راهبات الوردية كما شاهدتها وشاركت فيها بنفسها،من خلال الرؤى التي كانت نبؤات ناطقة تجري أمام سمعها وبصرها. واستعرضت في بضعة اسطر الروحانية التي ستهيمن على حياة أولئك الراهبات:

" وكنت أظن أني اسكن الدير منذ زمان طويل. ورأيت مذبحا مزينا لامي سيدة الوردية وراهبة ساجدة أمامه تتلو السبحة. ثم تأتي غيرها وتفعل فعلها بالمناوبة ليل نهار. وكانت أمي البتول تكرر القول: إن من الضروري أن يكون في الدير وردية دائمة تتلوها الراهبات والبنات. وكنت أشاهد الراهبات قاطبة يمارسن طاعة تامة إكراما لأسرار فرح أمي، وفقراً مدقعاً إكراما لأسرار حزنها، وعفة وطهارة فائقة إكراما لأسرار مجدها. وكن بهذه الفضائل الثلاث يكرمن سيدة الوردية فتبتهج بذلك وتزين نفوسهن بالمواهب السماوية، وتسكب على اغلبهن استعداداً وتيسيراً ورغبة في طريق الفضيلة والكمال".

 

بين الحلم والحقيقة

 

علمتنا الأيام أن كل جميل لا بد أن يكون صعباً. وان كل صعب يكون جميلاً وقد كان ما أوحت به العذراء من رؤى وإيحاءات غاية في الحسن والروعة. وربما نغبط الرائية على النعم التي نالتها. ولكن موقفهما كان صعباً. فكيف سيقدر لها أن تنفذ أوامر السيدة، ومعالم الطريق غير واضحة أمامها؟

لقد كان موقف الأخت ماري الفونسين حرجاً لا ترى له منفذا .

 

المأزق

 

فمن ناحية كانت أوامر العذراء جازمة لا تحتمل الجدل، ولا بد من تنفيذها على عجل. ومن ناحية أخرى كان لا يبدو صعباً على الراهبة أن تقلب ظهر المجن لرهبانية القديس يوسف وهي ملتزمة تجاهها بالنذور الثلاثة، وقد اولع بها قلبها حتى الهيام، وخدمتها خدمات جلى، بتفان مذهل ونجاح يشهد له القاضي والداني.

أما رؤساؤها فلم يكونوا على علم بأمر الإيحاءات الروحية والرسالة التي وكلتها العذراء إليها. فكيف لهم إذا أن يسهلوا لها الطريق؟ إن كل خطوة في الاتجاه الجديد ستسحب والحالة هذه فراراًً من الخدمة وخيانة لا تغتفر. إلا أن أمانتها للعذراء كانت أقوى وامتن من كل العقبات، ولن يفصلها عن محبتها لا الموت ولا اتهامها بالخيانة والجحود. وقد قيل بحق: " الحب أقوى من الموت". 

 

فاتخذت القرار التالي

 

" عزمت حبا لمريم و إكراماً لها أن أطيع صوتها وأضحي بذاتي في رهبانية الوردية، واثقة بمعونة أمي ومعتقدة أنها تصحبني دائماً وتعضدني".

وتذكرت أنها قبل ثلاث سنوات طلبت إلى العذراء أن تختار أختها حنة لتوآزرها في المهمة الجديدة فوعدتها خيراً. ولكن الوعد لم يتحقق بعد، لا بل سارت الرياح بما لا تشتهي السفن. ذلك أن أختها، وكان لها من العمر عشرون ربيعاً، تعرفت بشاب ذي أخلاق حميدة أوشك أن يخبطها واسمه الياس جلاّد وهو سيصبح فيما بعد والد الأسقف منصور جلاّد الذي توفي في القدس منذ زمن قريب. إلا أن هذه الأمور الطارئة لم تثن الراهبة عن إصرارها ولم تفل عزيمتها، بل واصلت رفع الدعاء اثر الدعاء، مبتهلة إلى العذراء قائلة:

" يا أمي، اقبلي أختي معي، فهي أفضل مني. امنحيها الدعوة إلى رهبانية الوردية وجودي عليها بان تكره العالم وترفض نصيبه الجيد".

وأخيرا أشفقت عليها أمها السماوية، وحققت سؤلها.

" شعرت بأنها لبت طلبي. إذ شعرت بعد المناولة أن يسوع قبل أختي عروساً له. وقد نظرت ذلك وسمعته وشعرت بمذاق حلاوة المحبة. فابتهج قلبي وهدأ روعي، وتيقنت أن أختي أجدر مني وأنها قادرة على أن تساعدني في هذا المشروع كثيراً".

ولكن لن تدوم فرحة الراهبة طويلا. فمشكلتها لا تزال قائمة، واعتناق أختها للحياة الرهبانية لن يغير من وضعها الحرج قيد أنملة. ثم اخذ ضميرها يبكتها بشدة لتخاذها في طاعة العذراء. وازداد هذا الشعور حدة لأنه طرأ أمر جديد وصفته لنا بنفسها:

" كان قلبي مضطرباً وصوت خفي يناجيني قائلاً: " تممي إرادة أمك". وبعد هذا مرضت أختي ريجينا مرضاً مروعا حسبته قصاصا لي لأني أهملت الدعوة إلى رهبانية الوردية وتشبثت برهبانية القديس يوسف وبراحتي. وخفت الألم المزمع أن يحل بي من جراء ذلك".

وبالفعل كانت الأخت ماري الفونسين لا تزال تقدر عميق ارتباطها براهبات القديس يوسف وعظيم محبتها لجمعيتها الأولى. وقد صدق الذي قال:

كم منزل في الأرض يألفه الفتى                        وحنينه أبدا لأول مرة

ونتيجةً لذلك، استولت عليها الحيرة وتنازعتها الأفكار، وترددت بين دعوتين لا تدري أيهما تختار. وها هي الآن تتلمس طريقها في الظلام وقد عبرت عن ترددها بقولها:

" وصرت اقصد تارة، وأخالف قصدي تارة أخرى. وأريد مرة ومرة أخرى لا أريد". وما كان اشد حاجتها إلى مرشد يهديها الطريق القويم. ومن لها بهذا المرشد؟ وهل من المناسب أن تطرق من جديد باب الأب بللوني، بعد أن أرهقته مشاغله الكثيرة وأتعابه المتواصلة؟ وهل يجوز تحميله عبئا إضافيا؟ وعندما فوجئت بمرض أختها ريجينا، كانت قد بلغت أقصى درجات الارتباك. وذات مرة كانت الأمور أقوى من أن تتحملها طاقتها البشرية، فجثت على ركبتيها ووعدت العذراء بتتميم إرادتها على الفور إن هي منت على أختها بالشفاء.

وشفيت المريضة بأعجوبة. وحسبت الراهبة شفاءها استجابة من العذراء لسؤلها. فلم يبق عليها إذاً سوى اتخاذ الإجراءات اللازمة كي يعفيها الكرسي الرسولي من التزاماتها في جمعية القديس يوسف. وكان ذلك يتطلب مساندة مرشد ثاقب الرأي، مسموع الكلمة.

 

المرشد الجديد

 

وبالإضافة إلى المرشد كان لا بد أيضاً من مندوب عن الكنيسة، ذي مؤهلات عالية، قادر على الأخذ بزمام الجمعية الجديدة وقد حان الوقت لإنشائها. ومرة أخرى توجهت الأخت ماري الفونسين نحو العذراء وطلبت إليها أن تدلها بنفسها على المرشد الملائم لها للمشروع.

"وطفقت أتلو صلوات حارة وأمارس تقشفات كثيرة وأحث البنات على الصلاة لأجلي والتمس من أمي ليل نهار أن تتنازل وترشدني إلى من علي أن اشرح له حالتي ودعوتي، وتريني من هو الذي تصطفيه محبتها لإنشاء هذه الرهبانية".

وقد علقت على المرشد أهمية كبيرة لأنها لم تنس بعد ما سببه لها قبل سنوات الإرشاد السطحي المرتجل. فآثرت هذه المرة أن تتدخل العذراء بنفسها في الأمر. أما من ستنتدبه الكنيسة لإرساء أساس المشروع الجديد، فقد هداها تفكيرها إلى نتيجة ايجابية. فبما أن الرهبانية مشروع وطني خاص بالفتيات العربيات فلا بد إذاً من كاهن عربي ذي إلمام بعقلية هذا البلد.

" وكنت أسالها أن يكون من تختاره من أبناء جنسنا الشرقيين... وكنت اصلي وابكي وأتنهد وأقول: يا أمي من هو؟ ولمن ابلغ سرك؟"

وتفطر قلب الأم لدموع ابنتها وقررت أن تستجيب لها مرة أخرى. ولكن لم تذكر لها اسم الكاهن المطلوب بل اكتفت بالإشارة إليه سبع مرات. وفي إحدى الرؤى شاهدت الراهبة الأب يوسف طنوس وعلى رأسه إكليل مرصع بالنجوم. وسمعت هاتفاً داخلياً يهمس في أعماقها بأنه هو المرشد الذي تخيرته السماء:

"فعزمت على أن اقصدها وأطلعه على الأمر ولكني كنت اخجل واسكت وأتضرع إلى أمي كي تعينني. آه! ما أصعب فتح القلب وإرشاد الضمير!".

وبينما كانت مضطربة حائرة تراءت لها العذراء في حلم وابنها بين ذراعيها. ولله در هذه الأحلام العظيمة المغزى، الباعثة في النفس الراحة والطمأنينة! فقلت لها :

" يا أمي أسعفيني وأنيري سبيلي".

فأجابت:

" أما فهمت بعد؟ هو ذا المرشد الذي أوحيت إليك به في الرؤيا. انه الأب يوسف طنوس الذي وضعت إكليل النجوم على رأسه، وأعطيك إياه مرشداً ومدبراً لك. وأنا أعينه واجعله يهتم ويعتني برهبانية الوردية".

فقلت لها بدالة: يا أمي، كيف تختاريننا نحن الفقراء، الوضعاء، المزدرين؟ لماذا لا تصنعين ذلك في أوروبا في بلاد الأغنياء؟

فبتسمت قائلة: اذكري يا ابنتي، انه من بين الشوك يخرج الورد إني في هذه البلاد فرحت وحزنت وتمجدت. فمنكن وبكن اظهر قوة يدي.

شد هذا الحوار أزرها فما كان منها إلا أن سعت بدون تأخر إلى مرشدها الجديد وصارحته بكل شيء. وفي المستقبل، وعلى اثر رؤى لاحقة سوف تطلعه على أمور أخرى تتعلق بشخصه وبدوره في تأسيس رهبانية الوردية وإدارتها.

 

المؤسس

 

عندما اختارت العذراء الأب يوسف ، كانت الأخت ماري الفونسين تعرفه معرفة جيدة، وتقدر مؤهلاته وشخصيته الفذة.

ولد الأب يوسف طنوس في مدينة الناصرة عام 1838. وهو ابن الوجيه طنوس خليل يمين الذي كان زعيم طائفة اللاتين. حظي يوسف الصغير بمرافقة والده إلى القدس عام 1848، لتهنئه البطريرك فاليرغا بمنصبه الجديد.

وفي عام 1849، قدر لهذا الشاب أن يكون من أوائل الطلاب الموفدين إلى غزير ( في لبنان) لتلقي العلوم الكهنوتية. ولبث هناك حتى تم افتتاح المعهد الاكليريكي في القدس سنة 1853.

وقد سيم كاهناً للرب عام 1863. وبقي في الاكليريكية مدة طويلة، وبرزت مواهبه في مجالات التعليم وتنشئة طلاب الكهنوت. وفي عام 1866، استدعاه البطريرك فاليرغا، ليشغل منصب سكرتير القصادة الرسولية في بيروت ثم منصب أمين سر البطريركية اللاتنية في القدس. ولدى افتتاح جلسات المجمع الفاتيكاني الأول عام 1869، اختاره غبطته واصطحبه ليكون أمين سره ومستشاره اللاهوتي. وفي سنة 1871 عين " قانونياً" للقبر المقدس وعضوا في المجمع البطريركي.

ولم تحل هذه المناصب الكثيرة بينه وبين العمل المباشر في ميدان الرسالة بين صفوف الشباب. ووجه عناية خاصة إلى أخوية بنات مريم، وكان مقرها لا يزال في مدرسة راهبات القديس يوسف. وشاءت العناية الربانية أن يلتقي هنالك بالأخت ماري الفونسين التي رغم انتقالها إلى بيت لحم،لم تقطع صلاتها بالقدس بل واصلت الإشراف على أخوية بنات مريم.

 

المعالم الأولى على طريق التأسيس

 

ومن تلك البيئة الفريدة، العابقة بفضائل الأخت ماري الفونسين، لمشبعة بشذا روحانيتها العجيبة، أقبلت إلى الأب يوسف عدة فتيات مقدسيات ينتمين إلى اعرق العائلات المسيحية. ولما تحقق الكاهن صدق نواياهن ورغبتهن في التضحية وبذل الذات، بادر إلى إشراكهن في نشاطاته الدينية والاجتماعية، وأثار اهتمامهن ببعض الفتيات الفقيرات اللواتي كن معرضات لأخطار تهدد إيمانهن وفضيلتهن بسبب ظروف العمل في بيئة لا يطمأن إليها.

وتحمست الشابات لهذا النوع من النشاط واختمر في عقولهن مشروع مشغل للخياطة يستقطب من بين فتيات المدينة، أفقرهن حالا ليكسبن لقمة العيش في بيئة سليمة. ولم تفطن أي منهن إلى ذلك يتطلب نفقات كثيرة. ولكن هذه المبادرة، بالرغم من عدم واقعيتها بقيت عملاً إنسانياً نبيلاً عمق روح التفاني والتضحية في قلوب الفتيات. وعن هذا الموقف الإنساني،عبر الأب لأغران بقوله:

" اعتقدت أولئك الغريرات اللواتي لا خبرة لهن في الحياة، إن ثمن حلاهن إذا بعنها يكفي للإنفاق على المشروع".

والى هذه النخبة الممتازة، انضمت فتيات بيت لحم اللواتي كن يطالبن بتأسيس جمعية رهبانية عربية. ولكن تصلب كاهن بيت لحم كان قد خيب آمالهن وحال بينهن وبين التحدث إلى أي كاهن آخر في هذا الشأن. غير ان شخصية الاب يوسف كانت تختلف عن شخصية سابقة اختلافاً كاملاً. فعادت الثقة الى نفوسهن، وجعلن يطالبن بتحقيق المشروع من جديد.

ولم يكن الاب يوسف صاحب هذه الفكرة ولم يدعها قط. ولكن اليه يعود الفضل في تقبل المبادرة الجديدة، اذ راى فيها علامة من علامات الازمنة، واشارة ربانية جديرة بالتقدير، فامعن في دراستها من جميع الوجوه. وكانت جولاته في اوروبا قد اتاحت له الفرصة ليتحقق بنفسه الدور البارز الذي تؤديه الراهبات هناك في مجال تثقيف الفتاة واعلاء شان المراة.

وصحيح ان بعض الرهبانيات مثل جمعية القديس يوسف وراهبات صهيون باشرن العمل ذاته في القدس، غير ان عددهن القليل، بالاضافة الى كونهن غريبات عن البلد وعن عقليته، حصر تاثيرهن في نطاق ضيق، فبقيت المراة غالباً متخلفة لا تعرف ما لها وما عليها. زد على ذلك انه عندما باشرت البطريركية اللاتنية انشاء رعايا ريفية في شلرق الاردن وغربه، فان كهنتها رغم كونهم في الغالب من ابناء البلد، لم يتوقفوا في التغلب على الاوضاع الاجتماعية للوصول الى المراة وتنويرها وتبشيرها. فمن يستطيع اذاً القيام بهذه الاعباء ورعاية الفتيات والامهات وانقاذهن من الجهل والتخلف؟ لا تقدر على ذلك الا نساء مؤهلات ومتدربات على المهمة. ولا بد أيضاً من ان يتحدان من صلب هذا الشعب ويدركن عقليته وانماط سلوكه ويرضين بمشاركته في فقره وخشونة عيشه ويتصدين للمشقات والشدائد متحليات بتفان لا نظير له.

هؤلاء لا غيرهن الاداة الفعالة لتحرير المراة ورفع مستواها وتثقيفها دينياً واجتماعياً وانسانياً. وبمعنى اخر لا بد من جمعية رهبانية وطنية تتبنى هذه الاهداف النبيلة.

وجاء تطوع الفتيات في اوانه، ولا نحسبه محض مصادفة بل يبدو ان الروح القدس هو الذي الهمن هذه الفكرة للمؤازرة في تحقيق الاهداف التي توختها الكنيسة من اعادة تاسيس البطريركية اللاتنية.

واخذ الاب يوسف يعمل فكره في امور كثيرة تخص الرهبانية المقترح تاسيسها وتدور حول اسمها وروحانيتها وقوانينها واهدافها ومقرها... وفي غضون ذلك، اقبلت اليه الاخت ماري الفونسين رسولة من قبل العذراء لتطلعه على رسالة هامة فيها الجواب الشافي عن كل تساؤلاته. ووجد في حديثها ضالته المنشودة، فاستولى عليه آنذاك ذهول شديد.

ولكن الكاهن لم يفقد فطنته المعهودة وبصيرته الثاقبة. فسال الرائية بعض الاسئلة حتى يطمئن الى رجاحة عقلها ورصانتها . وكان يعرف الشىء الكثير عن فضائلها وغيرتها. واقنع أخيراً بصدقها وصحة الرؤى ومصدرها الالهي.

وطلب منها ان تصوغ له مسودة قانون للجمعية بناء على ما شاهدت وسمعت من العذراء ثم امرها بتدوين رواية الظهور مفصلة ما نالته من نعم وما اوصت به العذراء بشان الرهبانية الجديدة، ولا سيما ما ادلت به خلال ظهورها في الثامن من تشرين الثاني عام 1879.

 

نشاة رهبانية الوردية

 

هذه اسماء الفتيات الخمس اللواتي عزمن على تكريس ذواتهن لله: ريجينا داود كارمي، عفيفة حنا متية ابو صوان، جليلة توما عبيس، حنة دانيل غطاس، وامينة عيسى حبش. ولقد لقين من الاهل والاقارب مقاومة عنيفة. وقد سبق ان تتبعنا موقف السيد دانيل غطاس من ابنته سلطانة عندما اعربت له عن رغبتها في الترهب. واليوم تقف الفتيات الخمس موقف اشد حرجاً لانهن عازمات على تاسيس رهبانية كاملة. وثارت ثائرة جميع العائلات المسيحية في القدس، فقد كانت تحسب الفكرة ضربا من الجنون.

وكانت حالة الأخت ريجينا اشد حرجاً إذ توفيت والدتها تاركة تسعة أولاد أصغرهم لا يتعدى السنتين وأكبرهم ريجينا نفسها. وألقيت مسؤولية العناية بشؤون الأسرة كلها على كاهل هذه الفتاة الشجاعة فنهضت بأعباء المهمة على أكمل وجه.

وكان والدها داود كارمي يعمل مهندساً لمدينة القدس لدى الحكومة العثمانية ويقطن بيتاً واسعاً بجوار باب العمود. وبعد وفاة شريكة حياته، فوض أمور بيته إلى ابنته البكر، كما طلب منها ان تداوم في مكتبه أثناء غيابه.

فلما علم بمشروع الأب يوسف، اتخذ موقفاً صريحاً وحازماً: فهو لا يمانع في إنشاء تلك الرهبانية ولكنه لا يوافق على انضمام ابنته إليها. وبنفس هذه اللهجة كان جواب والد الأخت ماري الفونسين قبل ذلك بسنوات.

واقترب موعد تحقيق المشروع. وطفق الأب يوسف يبحث عن مقر يتسع للفتيات. فوجد شقة وضيعة تحوي خمس غرف تقع في منتصف الطريق بين البطريركية اللاتينية ودير المخلص. فاستأجرها بستمائة وستين فرنكا سنويا. واتفق على أن يلتئم شمل الأسرة الصغيرة في ذلك البيت المؤقت الساعة الثالثة من بعد ظهر الرابع والعشرين من تموز 1880 على أن تشعر كل واحدة أهلها بالأمر قبل موعده بأسبوعين أي يوم السبت الموافق العاشر من تموز.

وفي صبيحة ذلك اليوم، صعدت المجموعة إلى الجلجلة لحضور ذبيحة القداس التي أقامها الأب يوسف على مذبح العذراء، أم الأوجاع. ثم انصرفن إلى بيوتهن تأهباً للقيام بالخطوة الحاسمة.

وكان نبأ ذلك الاجتماع قد بلغ مسامع السيد داود كارمي، والد ريجينا. وفي ظهيرة ذلك اليوم عاد إلى بيته كعادته، لكنه أصر على تناول طعام الغذاء وحده، وهو صامت لا ينبس بكلمة واحدة. ثم تناول الصحيفة وانفرد بها يقبلها في مكتبه. وكان هذا الهدوء ينبىء بهبوب العاصفة.

وكان منذ مدة يتوقع تلك المقابلة الحاسمة التي ستقرر مصير ابنته،فاخذ يستعد لها. وقررت ريجينا أن تواجه والدها بشجاعة مهما كانت الظروف. ورجت جدتها أن ترافقها إليه كما لو كانت تأمل منها أية مساعدة. وبينما كانت في طريقها إلى مكتبه، أبصرت صورة العذراء سيدة الأوجاع التي كانت العائلة تكرمها تكريماً خاصاً. فرفعت إليها ابتهالاً حاراً، ثم ولجت مكتب والدها وقبلت يده واستأذنته بقولها:

- اتسمح يا والدي بكلمة اقولها لك؟ فاجاب بجفاء:

- اود الا اسمعها منك. واعقب ذلك صمت ثقيل ثم اضاف:

- ترى، ماذا تريدين ان تقولي؟

- يا ابي، ان مشيئة الله واضحة امامي. فهو يدعوني الى الحياة الرهبانية، وارغب في ان تكون تلك ايضا ارادتك. ارجو ان تمنحني بركتك الوالدية.

كان الاب منهمكاً في تدخين نارجيلته. فلما سمع كلام ابنته احتد وانفعل فسقط النربيج من يده. واطرق يفكر طويلاً. وكانت الافكار المتناقضة تمر بذهنه تاركة اياه عرضة لصراع داخلي مرير. الا ان ارادة الرب كانت هي الاقوى. فرفع والدها راسه واجاب ابنته:

- ما دامت الامور تجري على هذه الحال، اعدي لي قائمة بما يلزمك لدخول الدير. اوشكت الفتاة ان ترتمي بين ذراعي والدها. الا انها تماسكت وسارعت الى اعداد القائمة المطلوبة. وسجلت كل شيء حتى القلم والمبراة.

ولم يكن من عادة السيد داود كارمي المماطلة ونكث العهود. فتناول الورقة من يد ابنته ومضى من فوره الى المدينة لشراء الحاجات المطلوبة.

 

 

 

 

الدير المؤقت

 

يوم السبت الموافق 24 تموز،

واطلق المؤسس على الجمعية اسم بنات الوردية. اما الشعب فدعاهن: راهبات الاب يوسف طنوس. وقبل ان يصبحن راهبات بكل معنى الكلمة اخذن باسباب الحياة الرهبانية وفقا للقانون الذي كتبت سطوره العريضة الاخت ماري الفونسين. وقد نقحه مرشد الجمعية واصدره باسمه. وكان البرنامج الصباحي يقوم على حضور القداس والتناول. كما اتبعن نظام الصمت الرهباني اتباعا صارما.

وكن يملان ساعات النهار بالعمل الجاد لكسب لقمة العيش ودفع اجرة البيت. واخذن يزين البطاقات والصور بالازهار الطبيعية. وما زال الحجاج المسيحيون يقبلون على شرائها إقبالاً شديداً حتى اليوم.

ومع ذلك كان الدخل ضيئلاً فاضطررن الى التقتير على انفسهن، وارتضين حياة الفقر والحرمان بروح انجيلية، ونعم الفقر اذا جعل الانسان المؤمن يحظى بشرف الاقتداء بالرب يسوع المسيح.

 

الوردية تتوطد وتمضي قدماً

 

مضى الشهر الاول كله، واخذ المؤسس يلمح ساخراً الى تكهنات بعض الناس حول حتمية اخفاق المشروع فقال:

- ايتها الفتيات، ارى اننا ما زلنا في قلعتنا صامدين.

فقلن:

- وسنبقى هنا سنة اخرى لا بل سنتين.

وعقبت ريجينا كارمي قائلة:

- لن اغادر هذا المكان واعود الى العالم ولو ارادوا قتلي.

ولا يعني ذلك عدم تاثرهن لسماع تعليقات الساخرين اثناء مرورهن بطرقات القدس، حيث يرى خليط من الناس على اختلاف مذاهبهم من مسيحيين ومسلمين ويهود. الا ان تلك السخريات زادتهن رسوخاً وتمسكاً بالمبدأ. وكان صمتهن البطولي، والابتسامة تعلو ثغورهن ، من شأنه تقويم الافكار الخاطئة واكتساب الراي العام الى جانبهن.

وكن في البداية خمساً، بعدد اسرار الفرح. فالتمس من العذراء مضاعفة عددهن لتكريم سائر اسرارها . وفي شهر تشرين الاول قرعت باب الدير طالبة سادسة. وفي كانون الثاني اتت طالبة سابعة ثم استقبلن الثامنة في الخامس من آذار.

ولم يعد البيت يتسع لسكانه، فتدخل البطريرك براكو الذي كان يراقب ذلك التقدم بعين ابوية ساهرة واعد لهن بيتاً قريباً من مقر البطريركية. ولكن المستاجرين رفضوا اخلاءه الا بعد ان تنقضي مدة العقد. فاضطرت الراهبات الى مجاورتهم حتى حان وقت رحيلهم.

ولم تكن هذه التضحية الوحيدة من نوعها. بل كن يواجهن تضحية اخرى اعمق اثراً. صحيح ان الراهبات رضين بالفقر وسررن به، ولكن حز في نفوس عجزهن عن شراء القماش اللازم لصنع زي رهباني بسبب قلة المال، الى ان هبت للمساعدة محسنة فرنسية هي الانسة آديل دير مبورغ التي كفلت كل النفقات.

 

يوم خالد

 

في الخامس عشر من كانون الاول سنة 1881، وكان ايضاً يوم سبت، منحهن البطريرك الثوب الرهباني في معبده الخاص. وفي مثل تلك المناسبة، جرت العادة ان تتخذ كل راهبة اسما جديداً دلالة على قطع صلتها بالماضي وبدء حياة جديدة كلها مكرسة لله.ولذا اصبحت عفيفة ابو صوان تدعى الاخت لويز، واتخذت جليلة اسم الاخت فيلومين، وسميت امينة باسم الاخت تريز. اما الراهبات الاخريات وهن مريم الشويري واليصابات بطرس وريجينا دانيل واختها حنة وريجينا كارمي فقد احتفظن باسمائهن.

واثناء الاحتفال القى البطريرك كلمة بين فيها عظمة التكريس لله في هذه البلاد المقدسة. وكان مسك الختام نشيد " اللهم نمدحك". ولم يشتلرك في المراسيم احد من الجمهور. ولكن في مساء اليوم ذاته، عندما اقبلت الراهبات الى كنيسة البطريركية لحضور تساعية الميلاد، اعترت الدهشة جمهور المصلين لرؤيتهم ذلك الزي الرهباني الجديد المؤلف من ثوب ازرق وياقة بيضاء وغطاء رأس اسود. فتعالت الهمسات بين الصفوف:" انهن راهبات الوردية، انهن راهبات الوردية".

ولدى خروجهن من الكنيسة، كان عسيرا شق طريقهن بين الحشد المتزاحم الذي كان ينتظرهن في الاروقة للتصفيق والهتاف تعبيراً عن شدة فرحته. لقد اضمحلت كل معارضة الآن!

كان المؤسس يتذوق لذة الانتصار في اعماق نفسه وكان على يقين من انه يعيش احد ايام القدس الخالدة. واننا لنسمع صدى الفرحة في تلك السطور الغنائية التي تتصدر قانون راهبات الوردية وفيها يقول:

" تعالين اذا يا بنات صهيون السعيدات ، انتهزن الفرصة المناسبة،اخلعن عنكن ثياب العالم الفانية وتسربلن بحلل البتولية الفاخرة فتضحين ابهى حلي وافخر عقد في جيد الكنيسة الاورشليمية. هو ذا الليل قد انتصف يا بنات المشرق والصراخ قد علا. هو ذا الختن اقبل يمزق بسناء وجهه جلباب الظلام. فاعددن مصابيحكن واخرجن للقائه فيدخلكن في دار العرس الروحي في هذه الحياة لتفزن بمشاهدته في دار الافراح الدائمة في السماء".

والى هذا الفوج من البتولات، عرائس المسيح، انضمت فيما بعد الاخت كاترينا صوان، لتمثل السر التاسع من اسرار الوردية. لكن يا ترى من ستكون الراهبة العاشرة التي ستاتي لتكمل اسرار الحزن؟

 

القادمة العاشرة

 

كادت الأخت ماري الفونسين تطير فرحاً عندما اعلمها الأب يوسف طنوس بنبأ تأسيس الرهبانية، وتضاعف فرحها لدى وصفه لها فضائل المجموعة وحماسها حتى انه لم يلمس الحاجة إلى أن يفرض عليهن أي قانون، ما دام دستور حياتهن هو محبة الرب يسوع وأمه القديسة، والخيط المنظم لعلاقاتهن المتبادلة هو التواضع والمحبة، وغايتهن القصوى خلاص نفوسهن والقريب.

ورغم النشوة التي سرت في كيانها لدى سماعها البشرى إلا أنها لأسباب صوابية، اضطرت إلى التحفظ وإظهار المحايدة.

وفي الواقع لم يكن احد يجهل صلاتها الوثيقة بأخوية بنات مريم التي أشرفت على تأسيسها بنفسها. ولاحظت راهبات القديس يوسف انه من ذلك الوسط انبثقت الأسرة الرهبانية الجديدة التي تضم اثنتين من شقيقات الأخت ماري الفونسين. فمن الطبيعي إذا أن يساور رئيستها قلق شديد وان تحسب للمستقبل ألف حساب. وبرز سؤال لا مفر منه: إلى أي مدى ستتأثر رهبانية القديس يوسف بإنشاء مؤسسة رهبانية جديدة تتخذ الأهداف نفسها؟ ولا بد من الإشارة إلى قلة عدد سكان القدس والى ضآلة عدد المسيحيين آنذاك ، الأمر الذي لا يحتمل وجود رهبا نيتين في وقت واحد. وخشيت الرئيسة أن تستسلم الأخت ماري الفونسين لتجربة الالتحاق بأختيها في المؤسسة الجديدة. وبدون أن نتحيز لأحد، يجب القول أن الأقدام على مثل هذه الخطوة كان سيخلق مشكلة شائكة. فانتقال راهبة من جمعية إلى أخرى يحتاج إلى تدخل الرؤساء والسلطات الدينية العليا ودراسة مستفيضة تعرض نتيجتها على الحبر الأعظم لاتخاذ القرار المناسب. وكانت الرئيسة المحلية في غنى عن ذلك الإزعاج الذي لا فائدة منه.

ولا شك في أن الأمر كان سيثير الذعر لو وقف الرؤساء على حقيقة الدور الذي مثلته الأخت ماري الفونسين في تأسيس الرهبانية الجديدة. ومن حسن طالعها أن أحدا لم يشعر بالأمر فقد كانوا في غفلة تامة عن النعم التي حظيت بها من قبل العذراء.

فقررت الرئيسة المحلية، إشفاقاً على راهبتها وكي تجنبها تجربة لن تقدر على مقاومتها، أن تقصيها عن بيئة بيت لحم والقدس. وشق عليها أن تحدث الراهبة مباشرة، فاكتفت بأن بعثت إليها بورقة تشعرها بأنها منقولة إلى بيروت.

والحق أن تلك المسؤولة، وهي في أوج ارتباكها، تجاوزت حدود سلطتها. فمثل تلك الأوامر من اختصاص الرئيسة العامة لا المحلية. ولم تكن هذه الأخيرة تجهل الوعد الذي كان البطريرك قد قطعه على نفسه بالا تغادر الأخت ماري الفونسين الديار الفلسطينية، نزولاً على إدارة والدها.

وعلى كل حال كان على الرئيسة العامة أن تتدارس الموضوع مع البطريرك. وكان البطريرك براكو آنذاك قد ذهب إلى روما في زيارة رسمية. وعملا بمشورة الأب يوسف، توجهت الأخت ماري الفونسين إلى النائب البطريركي العام المنسنيور باسكال ابوديا وعرضت عليه قضيتها بالتفصيل. فارتأى هذا الأخير أن يتيح للجميع فرصة للتفكير. وكتب إلى رئيسة بيت لحم يسألها التروي ويلح في إرسال راهبتها إلى يافا بدلا من بيروت حيث يمكنها كتابة تقرير إلى الرئيسة العامة والانتظار حتى وصول الرد. وقد عثر على نسخة من رسالة النائب البطريركي بين أوراق الأم ماري الفونسين بعد وفاتها.

وفي الوقت الذي أخذت فيه الراهبة تكتب تقريرها للرئيسة العامة، جعلت تعد كتاباً مشابهاً موجهاً إلى قداسة البابا لاون الثالث عشر متوسلة إليه أن يعفيها من نذر الطاعة لجمعية القديس يوسف وان يأذن لها بدخول رهبانية الوردية. وبعثت بالكتاب إلى البطريرك براكو في روما ورجته أن يكون لسان حالها في الدوائر المختصة.

بدأ في نظر راهبات القديس يوسف كأنه نتيجة مؤامرة حيكت خيوطها في الخفية. ولجهلهن الأسباب الحقيقية، ظنن أن الراهبة ركبت هواها واستسلمت لتجربة الالتحاق بأختيها. وتداركا لحدوث مثل هذه الخيانة للواجب، وجهن بدورهن كتاباً إلى الكرسي الرسولي بوساطة الكاردينال المفوض برعاية شؤون الرهبانية هناك.

وهكذا نقل الطرفان قضيتهما إلى روما، وهما يظنان أنهما لا يفعلان إلا خيرا. ولذا لا يجوز لنا أن نتهم أيا منهما بسوء نية. وقد يحدث في تدبير الله الذي لا يستقصى، أن يختصم القديسون ويكون بعضهم لبعض سبب الم ومضايقات.

وعالجت روما القضية بإيفاد زائر رسولي إلى الأرض المقدسة. وفي غضون ذلك أي في الثاني عشر من أيلول عام 1880 استصدر غبطته إذنا يخوله إعفاء الأخت ماري الفونسين من نذر الطاعة. وقد نقل إليها النبأ على اثر عودته إلى القدس في كتابه المؤرخ في الثاني عشر من تشرين الأول. كما أمرها بان تحتفظ باسمها، على أن تدعى منذئذ وصاعداً بالأخت ماري الفونسين للوردية.

وبما أن رهبانية الوردية كانت لا تزال في طور التأسيس، وبسبب توقع قدوم الزائر الرسولي، فقد أوصاها البطريرك بان تلزم بيتها الوالدي ريثما تسنح لها الظروف بالانضمام إلى الرهبانية الجديدة. وعندما وصل الزائر الرسولي، لقيها بين أهلها وذويها.

وفي غضون هذه المرحلة الانتقالية، حظيت بزيارات كثيرة من السيدة العذراء تشجيعاً لها وترسيخاً لإيمانها. وكان يؤلمها كثيراً العيش في منأى عن الحياة الرهبانية المنتظمة لا سيما وقد طالت حالتها المؤقتة. ولكي يخفف البطريرك عنها وطأة الوحدة ومرارة الانتظار وعدها ذات مرة بقوله:

" إن شاء الله، ستشحين قريباً بثوب رهبانية الوردية. وستذهبين حالاً إلى السلط لافتتاح مدرسة هناك، فتزول عندئذ أسباب امتعاض راهبات مار يوسف لهجرك إياهن".

ودام انتظارها ثلاث سنوات خالتها دهرا طويلا. كما طال انتظار راهبات الوردية أنفسهن وكن لا يزلن في حالة مؤقتة.

وأخيرا، وبعد مماطلة وتأجيل، وصل الزائر الرسولي إلى القدس للتوسط بين الفرقاء. فأيد مواقف البطريرك السابقة من القضية وانصف رهبانية الوردية ومؤسسيها: الأب يوسف طنوس والأخت ماري الفونسين. وفي تموز عام 1883 سمح لها بالانضمام إلى فوج بتولات الوردية لتكون الراهبة العاشرة ويتبادر إلى ذهننا الآن أن الراهبة في إحدى الرؤى رأت اسمها مكتوباً على النافذة العاشرة مقترنا بصلب المسيح وموته وهو السر العاشر من أسرار الوردية.

وأخيرا دخلت ديرها الجديد بأمر البطريرك، وأبت إلا أن تقبل أعتابه الشريفة. وصادف ذلك موعد الرياضة الروحية السنوية فاشتركت فيها.

ومرت ثلاثة اشهر. ولما أزف يوم الأحد الموافق السادس من تشرين الأول وهو عيد سيدة الوردية، توشحت بثوب الرهبانية. وقد عبرت عن فرحتها بقولها:

" يا له من يوم سعيد حصلت فيه على راحة قلب حقيقية".

وأوضحت سبب ارتياحها بقولها:

" لأني أتممت إرادة الهي وأكملت أوامر أمي التي أنعمت علي بنعم لا تعد ولا تحصى. وقد كنت اشكرها دائماً بقلب حار".

وأخيرا وصلت الأخت ماري الفونسين إلى شاطىء السلامة. وكان لها من العمر أربعون عاما قضت نصفها في رهبانية القديس يوسف واعتكفت مدة ثلاث سنين حبيسة في بيتها الوالدي. وها هي الآن تستهل حياة جديدة.

 

حان الوقت بعد كل تلك الاستعدادات الطويلة للشروع في مرحلة الابتداء القانونية. وعكف الأب يوسف على دراسة مذكرات الأخت ماري الفونسين وقارنها بتوجيهات مجمع الأساقفة والرهبان. ثم اخذ على عاتقه مهمة تطبيق هذه المعطيات والمبادىء على واقع الأرض المقدسة وبخاصة إرساليات البطريركية اللاتينية. واستغرق ذلك العمل وقتاً طويلاً بسبب كثرة المهمات الموكلة إليه. غير انه كان في قرارة نفسه، راضياً عن هذا التأخر ومؤمنا بجدوى إتاحة الفرصة للمبتدئات ليتدربن بكل عفوية وحرية على أمور الحياة الرهبانية، إلى أن يحين الوقت المناسب لتقيدهن بالقوانين والأنظمة.

وعزم المؤسس منذ البداية على أن تتسلم الأخت ماري الفونسين ، إدارة الرهبانية لأنها روحها وقلبها النابض. إلا أن السنة الناس، وهم يحكمون دائماً وفقاً للمظاهر، كانت قد نسجت حولها إشاعات مدسوسة ومتناقضة تتعلق بأسباب خروجها من دير راهبات القديس يوسف. فاضطر إلى العدول عن تلك الفكرة. وادرك أن الخير العام يفرض على الراهبة أن تلوذ بالصمت والخفاء. وذلك قرار حكيم لا ينافي مقاصد السماء لا بل يحقق أيضاً رغبة الراهبة في ممارسة التواضع إلى أقصى الحدود.

وكانت الراهبات الأخريات دون خبرة في مجالات الحياة الرهبانية، فارتأى الأب يوسف أن يستقدم الرئيسة من رهبانية أخرى وان يفوض إليها مهمة تدريب المبتدئات، على أن تعمل تحت إشرافه المباشر.

وقد بلغته أخبار طيبة عن راهبة عربية من راهبات الناصرة تتميز بالفطنة والحنكة والنشاط، سورية المولد، تدعى الأم تقلا ناصر، وكانت قد عملت رئيسة في ديري شفا عمرو والناصرة. فوجد فيها المؤسس ضالته المنشودة. واستأذن رؤساءها في انتدابها لهذا الغرض مدة من الزمن. وقد شق على جمعيتها الاستغناء عن راهبة تتحلى بكل الصفات، إلا أن إلحاح روما حسم الأمر وأزال كل عائق.

قدمت الأم تقلا إلى القدس واتخذت اسم الأم روزالي. وفي غزة شهر آذار من عام 1884، عينت رئيسة لدير الوردية. ولم يمض الأسبوع الأول حتى أضيف إليها مهمة الإشراف على المبتدئات. ومنذ بداية عهدها أظهرت شدة على نفسها وعلى غيرها فتركت في تلك النفوس الفتية الموكلة إليها، أثرا لا يمحوه الزمن. ولكنها ورغم تمتعها بصفات الرئيسة والقائدة الناجحة، لم تكن مؤهلة لإرشاد المبتدئات في معا رج الحياة الروحية، فلم تكون تظهر دائماً المرونة والتفهم اللازمين.

وتمر مدة الابتداء عادة دون حوادث تستحق الذكر لان عملية التمرس بالحياة الرهبانية تتم في أعماق النفس ولا ينفخ أمامها بالبوق. كما يندر جدا أن تتصل المبتدئات بالعالم الخارجي. ولذا كان تأثير معلمة الابتداء عميقاً جدا في مؤسسة العهد مثل رهبانية الوردية تفتقر إلى تقاليد موروثة تكون لها هاديا ودليلا.

وكان من المفروض أن تضطلع بمسؤولية رعاية المبتدئات راهبة مدركة لتعليمات العذراء. وكانت الأخت ماري الفونسين هي الشخص المناسب للمكان المناسب. والمؤسف أن التفكير في إسناد ذلك المنصب إليها وحتى الكشف عما تعرفه من أمور فائقة للطبيعة لم يكون آنذاك ممكنا. ولكن ما الحل البديل لجعل المؤسسة تسير على النهج الذي خطته لها السماء في حين لم تكن الأم روزالي مطلعة على الدور الحقيقي الذي عليها تأديته؟

لم يكن حل سوى السير على ضوء تلك الإيحاءات واستلهامها دون البوح بمصدرها. وألقى المؤسس هذا العبء على عاتقه. وأصبح همزة وصل بين الرهبانية وبين الرائية المؤتمنة على رغبة العذراء. واخذ يبث بين صفوف الراهبات تلك الروحانية الأصلية العابقة بشذا البتول. إلا أن زياراته للدير أخذت تقل بسبب تكاثر أعبائه في الخارج. وكان يتألم كثيراً بسبب الفراغ الناجم عن غيابه. ولكن إشرافه في السابق على إرشاد الفتيات أعواما متوالية ضيق شقة الفراغ الروحي الذي كان يخشاه.

وكان هناك شخص أخر عدا المؤسس يكتم ألمه في السر والخفاء. إنها الأخت ماري الفونسين  التي كانت تراقب كل شيء وتعرف كل شيء دون أن تقدر أن تأتي اصغر الأمور، والفت نفسها عاجزة كل العجز عن المشاركة في توجيه مسيرة الجمعية. ويعود ذلك إلى الريبة التي بدأت تساور الرئيسة بشأنها. فالألسنة الشريرة لم تتوان لحظة عن ترويج شائعات نالت من سمعتها. فاتهمت بخيانة جمعيتها الأولى. وكان يشار إليها كإنسانة لا يجوز ائتمانها على سر أو تصديقها في خبر. وبلغت هذه السائس مسامع الأم روزالي من خلال عدسة مكبرة. ولا شك في أنها لم تصدق حرفياً كل ما راج حول هذه المبتدئة الصامتة التي ناهزت الأربعين من العمر. ولكن لا بد للكذب والبهتان من أن يتركا أثرا في نفس السامع فاعتقدت الرئيسة أن من الحكمة أن تختبرها وألا تكل إليها أية مسؤولية.

وكان ثمة سؤال لا مفر منه: الم يكن وراء مواقف الرئيسة شيء من الغيرة والحسد؟ فقد لاحظت أن الأب يوسف طنوس رغم تحفظه الشديد كان يجل تلك الراهبة ويطيب له أن يستشيرها في أمور تتعلق بمسيرة الجمعية. ومن البديهي أن المؤسس لم يكن مضطرا إلى تبرير موقفه. ومن ناحية أخرى كان يستحيل على الأخت ماري الفونسين إطلاع رئيستها على اتصالاتها الروحية التي لم يكن يعلم بها احد سوى مرشدها الروحي والبطريرك. حتى لو همت بكشف السر، فان الأم روزالي لم تكن مؤهلة لإدراك كنهه وأبعاده.

وكانت الرئيسة تعاني ضيقاً وألما بسبب الغموض الذي يكتنف شخصية راهبتها، مما ساهم في ترسيخ فكرتها الأولى عنها: فهي انسانة غير موثوق بها ويجب مضايقتها إلى أن تكشف القناع عن وجهها الحقيقي.

والتجأت الرئيسة إلى الشدة. وكانت المبتدئة المسكينة تقبل التأنيب والتقريع وان كانا يفتقران إلى سبب معقول. وكانت بعض الملاحظات الجارحة كخناجر مسنونة تغوص في قلبها. وفي مثل هذه المحن كانت الأم السماوية تسارع إلى مؤاساة ابنتها لتطيب نفسها ببلسم العزاء الشافي. وكتبت الراهبة:

" كانت أمي الحبيبة تشدد عزمي على الصبر وتفتقدني وتغمرني بنعمها وتعزياتها الحلوة".

وعلى اثر ذلك كانت تظن نفسها اسعد المخلوقات على الأرض.إلا أن احتمالها للأذى، والابتسامة تعلو ثغرها، لم يثن الرئيسة عن قرارها لا بل أخذت تسخر منها وتلمح بشكل لاذع إلى الشائعات القديمة التي دارت حولها في المدينة بصدد خروجها من رهبانيتها الأولى.وقد أجملت الأخت ماري الفونسين كل ما سبق بقولها:

" شاء الرب أن يستخدم الأم روزالي في الرئاسة لكي تسقيني جرعة من كأس الامه المقدسة".

وتحولت الشدة إلى اضطهاد. وأخضعت الراهبة لإجراءات تأديبية. ويروى أنها حرمت القوت الضروري مرارا. وذات يوم اتهمت زوراً بنقص نذر الطاعة. وبدون أن تبحث الرئيسة عن صحة التهمة، قررت أن تقتص منها لتجعلها عبرة لغيرها. فحرمتها وجبة العشاء قائلة لها بغضب:" انك لا تستحقين الطعام المقدم إليك. فانصرفي إلى غرفة النوم. وامنع الراهبات تكليمك".

مضت المبتدئة إلى حيث أمرتها رئيستها دون أن تنبس ببنت شفة. ولبثت في غرفة النوم يومين متواليين. ورغم امتعاض أخواتها الراهبات وبخاصة أختها حنة، من تلك المعاملة القاسية فقد كن يجتزن قريباً منها دون أن يهمسن بكلمة واحدة. وأخيرا استدعت الراهبة مرشدها لسماع اعترافها. فأتى وأصغى إليها. وأمر بان يقدم لها الطعام. وهكذا انتهت مدة الابتداء وهي تقاسي مثل هذه الصعاب والمحن.

 

التكرس لله

 

في السابع من آذار عام 1885، أبرزت المبتدئات النذور الرهبانية الثلاثة وتكرسن للرب وللسيدة العذراء.

وبالرغم من جهلهنا لوقائع ذلك الاحتفال الرائع، يمكننا تخيل فرحة أولئك الراهبات وقد أصبحن عرائس المسيح إلى الأبد.

وفي أول مرحلة الابتداء كن عشرا، ووصلن إلى الهدف وهن تسع فقط. إذ أن الأخت ريجينا، شقيقة المؤسسة، اضطرت إلى الانسحاب في منتصف الشوط لان أعصابها مرهقة ولم تعد تتحمل أنماط الحياة الرهبانية. ثم أن بعض آثار نكستها الأولى التي شفيت منها قبل دخولها الرهبانية، كانت لا تزال تلازمها. ورغم خروجها فقد ظلت المجموعة تكن لها بالغ الصداقة والتقدير. ولبث الأب يوسف حتى نهاية حياته يحسبها فرداً من أفراد الجمعية.

وهذه أسماء اللواتي فزن بشرف المثول أمام هيكل الرب لإبراز النذور: الأخت حنة دانيل، الأخت ريجينا كارمي، الأخت لويز أبو صوان، الأخت فيلومين عبيس، الأخت تريز حبش، الأخت مريم الشويري، الأخت اليصابات بطرس، والأخت ماري الفونسين.

وهكذا توطدت أركان رهبانية الوردية بفضل هؤلاء المؤسسات التسع. فتحققت رغبة العذراء الملحة ولم يبق سوى الانطلاق إلى ميادين العمل لتنفيذ مخططات السماء.

 

مجندات تحت لواء السيدة

 

 كان البطريرك براكو ينتظر بفارغ الصبر اللحظة السعيدة التي ستوضع فيها تلك الصفوة المختارة تحت إمرته. وقد تعددت إرساليات البطريركية اللاتينية التي بدأت تخرج إلى حيز الوجود منذ سنة 1854. ولما علم الكهنة بتخريج الفوج الأول من راهبات الوردية، اخذ كل منهم يمني نفسه بالحصول على بعض هذا المدد القيم. لان المرسلين، أينما حلوا فتحوا مدارس للصبيان دون التمكن من العناية بأمر الفتيات. وباستثناء يافا الناصرة، وإرساليتي القدس وبيت جالا التي وكلت خدمتها إلى راهبات القديس يوسف منذ سنة 1875، لم توجد أية مدرسة للفتيات.

 

الحصاد المهجور

 

وفي شرق الأردن كانت الحاجة إلى مؤازرة الراهبات اشد إلحاحاً من أية منطقة أخرى لان السكان المسيحيين المبعثرين هنا وهناك كانوا متروكين ومهملين منذ أمد بعيد. وقد تأثروا بطباع القوم الذين كانوا يعيشون معهم. وكان الجهل الديني فاشياً بين الرجال والنساء على السواء.

ولدى سماع البطريرك للنداءات الملحة الواردة إليه من كهنته في شرق الأردن، كان قلبه الأبوي يتفطر حزناً وكمدا. وصار طيف تلك المناطق يراود فكره ليل نهار. لذا كان يستحث الأب يوسف على المضي في مشروعه قدما.

لكنه جعل يتساءل: ترى، هل سترضى أولئك الراهبات بالذهاب إلى تلك المناطق النائية حيث خشونة العيش وصعوبة المواصلات وهن في عنفوان الشباب، وقد ولدن وترعرعن في بيئة ناعمة نسبيا هي بيئة المدينة المقدسة؟

وذات يوم، وقد أشرفت مرحلة الابتداء على النهاية، عزم على زيارتهن ليستطلع نواياهن واستعدادهن للرسالة. وإذا به يفاجئهن بهذا السؤال:

-         ماذا ترين لو أرسلناكن إلى الكرك؟

وكانت الكرك أنأى الإرساليات على الإطلاق. وهي تقع في الجهة الجنوبية من شرق الأردن وعلى مشارف الصحراء. وكانت الإرسالية الكاثوليكية قد استقرت فيها منذ عشر سنوات. وبسبب البيئة المحيطة بتلك الإرسالية فان بعض العادات غير المسيحية كانت مهيمنة على السكان المسيحيين. ومثال ذلك ما حدث هناك في تلك الفترة بالذات إذ اختطفت فتاة مسيحية فقام أهلها على الفور بقتلها ثاراً لشرفهم وعرضهم. وقد سرى خبر تلك المأساة في كافة المناطق ووصل المدينة المقدسة حيث اهتز السكان لهول ما حدث.

وكان من المتوقع إذا أن يلقي سؤال غبطته الذعر في روع المبتدئات. إنما العكس هو الذي حدث. فقد استيقظ سخاؤهن وتوقد حماسهن. وهذه المرة كان غبطته هو الذي فوجىء بالجواب. فقلن له:

-         يا صاحب الغبطة، نحن مستعدات أيضاً للذهاب إلى أقصى أطراف البلقاء!

لم تكن أولئك المبتدئات يعلمن أن أطراف البلقاء اقرب من الكرك، وإنها ليست إلا الجهة الوسطى من شرق الأردن. ولكن البطريرك سر لهذه العفوية والبراءة، وفهم أنهن يقصدن الاستعداد التام للذهاب إلى أقصى أرجاء المعمورة إذا اقتضى الأمر.

ولدى ذكر شرق الأردن وسماع اسم إحدى إرسالياته، كادت إحدى المبتدئات تطير من شدة الفرح. ذلك أن الأخت ماري الفونسين في احد أحلامها الغربية التي كانت كنبؤات، شاهدت نفسها برفقة العذراء ممسكة بيدها تقتادها إلى الفضاء وتحلقان معا فوق نهر الأردن، ثم تنزلان بين مضارب البدو في الضفة الشرقية. ووفقاً لتلك الرؤيا، لبثت هناك تعمل سنوات عديدة، والعذراء لا تفارقها وأحرزت نتائج روحية رائعة، لا سيما بين النساء والفتيات اللواتي انخرطن في صفوف الوردية.

وتيقنت الراهبة أن سؤال غبطته وعزمه على إيفاد الراهبات إلى الكرك من البوادر المشيرة إلى أن حلمها السابق أوشك أن يصبح حقيقة ملموسة.

وتذكرت وعد البطريرك لها، أثناء اعتكافها في بيتها الوالدي، بأنه سيرسلها إلى السلط. وكانت تتلظى شوقا إلى لحظة تطوعها السعيدة.

غير أن وجودها آنذاك في بيئة لا تضمر لها الود، جعلها تكتم فرحتها وتؤثر التحفظ والصمت وهي تنتظر تحقيق الموعد. والواقع أن ساعة الذهاب إلى شرق الأردن لم تحن بعد. فقد اتفق البطريرك والأب يوسف على إرساء قواعد الرهبانية أولاً في فلسطين، وبعد ذلك في شرق الأردن. ولا شك في أن الرأي كان سليماً وواقعياً. فقد كانت الحاجة إلى الراهبات ماسة في كلتا المنطقتين وكان من الأفضل تبشير المناطق القريبة قبل البعيدة.

وبذل المسؤولون عناية خاصة بتعيين كل راهبة في مكانها الملائم. وبعد إبراز النذور بأيام معدودة عرفت كل واحدة مركز عملها المقبل. فتقرر أن تمضي الأختان ريجينا كارمي ومريم الشويري إلى نابلس، والأختان لويز أبو صوان واليصابات بطرس إلى الزبابدة والأختان تريز حبش وفيلومين عبيس إلى بيرزيت، والأختان ماري الفونسين وكترين أبو صوان إلى يافا الجليل، على أن تبقى الأخت حنة دانيل في القدس لمؤازرة الأم روزالي في مهمة قبول المرشحات الجدد وإعدادهن للحياة الرهبانية.

 

بواكير الحصاد

 

كانت محظوظة تلك الإرساليات التي وصلت إليها الراهبات. ولنبدأ بقرية بيرزيت حيث سارت الأمور على خير ما يرام. وقد تأسست إرساليتها عام 1859. وقبل مجيء الراهبات إليها اعد كاهن رعيتها الأب " اسطفان جولي" كل ما يلزم لاستقبالهن. وسرعان ما تسلمن مدرسة الفتيات.

أما نابلس فكانت مدينة هامة معظم سكانها مسلمون. وقد اشتهر حكامها الأتراك بالظلم والطغيان. لذلك كانت الأقلية المسيحية هدفاً للمضايقات المستمرة.

ولوقوع المدينة في منتصف الطريق بين القدس والناصرة، ارتأى البطريرك فاليرغا إنشاء إرسالية فيها على الرغم من معارضة الحكومة التركية. وأراد بذلك أن يتيح للكهنة والمرسلين، أثناء قطع المسافة الطويلة بين القدس والجليل، أن يجدوا مكاناً للراحة دون أن يشعروا بالغربة في تلك المدينة الكبيرة.

وإذ لم يكن في الإرسالية مدرسة للفتيات، أخذت الراهبات على عاتقهن عبء تأسيسها. وكانت البداية متواضعة. ولتحقيق المشروع لم يجدن سوى بناء متواضع يصلح لان يكون سردابا، ولكنه سرعان ما غص بالطالبات على اختلاف مذاهبهن.

ومن السهل أن نتصور قساوة المرحلة الأولى من حياة الإرساليات بسبب البيئة التي كانت تناصبها العداء باستمرار. ولم يضن الأب انطون رزق بتأييده وتشجيعه. إلا أن الفضل في تذليل العقبات يعود إلى أقدام الأخت ريجينا كارمي وشجاعتها والى الروح المعنوية العالية التي كانت تتحلى بها الأخت مريم الشويري.

وحظيت إرسالية الزبابدة بحظ وافر من الصعاب والمشكلات! وهذه القرية التي كانت حالها يرثى لها في الماضي، أصبحت اليوم ذات أهمية بالغة. وهي تقع في أقصى جبال نابلس، إلى الشمال الشرقي من هذه المدينة، والى الجنوب الشرقي من جنين. وحتى عام 1880، كانت القرية كلها منتمية إلى الطائفة الأرثوذكسية وكثيراً ما كان سكانها يتعرضون لأصناف شتى من مضايقات القرى المجاورة بسبب التعصب الطائفي.

وفي أمر الدين الذي كان السكان في حالة تخلف، لان الإكليروس الشرقي كان قد تركهم عشر سنوات. فتوجهوا بجملتهم صوب البطريرك اللاتيني والحوا في طلب كاهن ينهض بأعباء الطائفة. ولان الكاهن المطلوب لم يكن موجوداً في ذلك الظرف، اضطر غبطته إلى الاستعانة بكاهن ماروني هو الأب حنا طراد، فافتتح الإرسالية عام 1883. واخذ يبشر هؤلاء السكان المغلوبين على أمرهم بكل ما أوتى من عزم وقوة. ولم تقع البذرة في ارض عقيمة، بل في ارض خصبة جداً. ولكن اهتمامه بالرجال شغله عن بذل الجهد ذاته في العناية بالنساء والفتيات. وكانت الحاجة إلى الراهبات كحاجة الظمآن إلى الماء القراح، فنتج عن وصولهن خير عظيم.

وارتضت الأخت لويز والأخت اليصابات بعيشة الكفاف كالسكان. وعكفتا على العمل الجاد. وكان ديرهن كوخاً وضيعاً مصنوعاً من الطين المخلوط بالتين، ويتألف من غرفتين: أحداهما سكن للراهبات، والأخرى مدرسة للبنات.

وما هي إلا ثلاث سنوات حتى كانت المدرسة تضم خمساً وأربعين طالبة كلهن حسان الهندام مجتهدات تتألق عليهن سمات الآداب والأخلاق. وقد بذلت الراهبتان عناية خاصة بالنساء اللواتي كن، على حد تعبيرهما" في حالة من الجهل والتخلف يصعب وصفهما".

وعندما زار البطريرك براكو القرية لتفقد شؤون رعيتها، هب السكان كلهم لاستقباله بالهتافات والزغاريد، تعبيراً عن فرحتهم وعرفان الجميل. وكانت السنوات الثلاث كافية لتضفي على القرية وجهاً جديدا. ولم يكفر السكان بتلك النعمة التي غبطوا أنفسهم عليها، ولم يجحدوا فضل الكاهن والراهبتين بل كانوا يقرون به في شتى المناسبات.

 

 

 

في بلد العائلة

 

لم تكن راهبتنا يافا الناصرة أوفر حظاً من أخواتهن الأخريات. ومن حسن طالعنا في حوزتنا اليوم رواية موجزة للأحداث التي جرت في تلك الإرسالية، مكتوبة بقلم تلك التي سندعوها منذ اليوم " بالأم ماري الفونسين".

تقع قرية يافا الناصرة على رابية مطلة على طريق حيفا- الناصرة. وتبعد عن المدينة الأخيرة مسافة ثلاثة كيلومترات. وتدعى عادة " يافا الناصرة " تمييزاً لها عن المرفأ الفلسطيني الذي يحمل الاسم نفسه.

ويذهب الأب " ماسترمان" إلى أن الرهبان الفرنسيسيين بدأوا هناك تأسيس الإرسالية الكاثوليكية سنة 1641 وأنهم شيدوا كنيسة صغيرة تابعة لرعيتهم في الناصرة. وفي عام 1866 تخلت عنها حراسة الأراضي المقدسة للبطريركية اللاتينية التي لم تقم على خدمتها مباشرة،وتؤيد ذلك وثيقة رعوية تعود إلى سنة 1869 وقعها الأب " اوجين لاغران" كاهن رعية الناصرة. وقد بدىء تشييد الكنيسة الجديدة عام 1875 ولم يفرغ منها إلا في عام 1889.

وفي تلك الحقبة من الزمن، كانت القرية على صغرها، تضم مسيحيين منتمين إلى مختلف المذاهب المسيحية من لاتين وأرثوذكس وروم كاثوليك. وقد افتتح البروتستنت فيها مدرسة صغيرة.

 

مشقة التأسيس

 

غادرت الراهبتان القدس برفقة الأب يوسف طنوس. ولدى مرورهم بالناصرة مدينة التجسد، توقفوا لرفع دعاء من اجل ازدهار إرساليتهم الجديدة. وقد دخلوا يافا مساء الخامس والعشرين من تموز عام 1885. وكان في انتظارهم كاهن الرعية الأب اسعد لومباردو، الذي تهلل لمقدمهم. وقد أحسن السكان استقبالهم وعبروا عن عميق ارتياحهم وسرورهم.

تميزت رعية يافا عن معظم الرعايا الأخريات بحيازتها لمدرسة للبنات كانت تديرها معلمة فاضلة. ولدى وصول الراهبتين لم تكتف هذه المعلمة بالتخلي عن مكانها بل عرضت أيضا على الأب يوسف أن يقبلها طالبة في رهبانية الوردية. فحقق رغبتها فورا وسميت الأخت كلير.

ومنذ اليوم الأول تجاوز عدد الطالبات الثلاثين. وأصبح الحاضر ينبىء بمستقبل مشرق. إلا أن أمرا واحدا كان ينغص حياة الراهبتين ويكدر عيشهما هو أن البيت الذي كانتا تسكنانه لم يكن أفضل من دير راهبات الزبابدة الذي مر ذكره أنفا، فلم يكن يضم الا غرفتين خصصت الكبرى بالتدريس والصغرى بالنوم والطهو والأكل واستقبال الضيوف، ولم تكن تتسع إلا لسريرين يرفع احدهما خلال النهار ليوضع مكانه طاولة وكرسيان. ولم يكن للغرفة أي متنفس سوى الباب.

وبعكس ما نتوقع، فقد أظهرت الأم ماري الفونسين ارتياحها الشديد لذلك الضيق. وكتبت تقول: " في فقرنا وضيق محلنا كانت تعزيتنا وسرورنا". وقالت مرة للأب يوسف:" ليس شيء أحلى واهنا من عيشة الفقر". وصرحت مرة أخرى لكاهن الرعية بقولها " لا تحزن علينا. فنحن نقول نقول: أبانا الذي بالسماوات وهو يرزقنا". إلا أن الأب لومبارد لم يفهم هذا الكلام على حرفيته. لذلك اطلع أديار الناصرة على البؤس الذي تعيشه راهبتاه في يافا. وعندما زارت الأم ماري الفونسين ورفيقتها دير راهبات القديسة كلارا في عيد البشارة، تبرعت لهما إحدى طالبات الرهبانية بمبلغ 400 فرنك ذهبي. ولله درها صدقة تليق بالملوك اتاحت لهما ابتياع بعض الأثاث للدير.

 

 

 

 

في قلب البلقاء

 

تأسست إرسالية السلط عام 1866 بفضل جهد كاهن رعية نابلس الأب اغسطين دي اكتيس (A.de Actis). وفي ذلك الوقت كان بين المدينتين علاقات إدارية وثيقة، لأن متصرف نابلس كان المسؤول عن منطقة البلقاء. ونمت إرسالية السلط وازدهرت وسط مشتقات جمٍّة ساهم في إثارتها بخاصة أحد المهتدين الأوائل وهو الشيخ صالح أبو جابر الذي خرج فيما بعد عن الكنيسة قالبا ً لها ظهر المحن.

وكان الأب "جان موريتان" قد شرع في بناء الكنيسة عام 1870. إلا أن الذي أتمها هو الأب "غاّتي" في السلط خمس عشر سنة حمل خلالها صليبا ً ثقيلا ً. ولكن ذلك لم يحل بينه وبين القيام بنشاط واسع شمل معظم مناطق شرف الأردن. فأسس رعية الرمامين (سنة 1875) والكرك (1875) والفحيص 1876 وعجلون (1876) والحصن سنة (1885) وهكذا أصبحت إرسالية السلط في نظر الإرساليات الأخرى الكنيسة الأم.

وكان الأب "غاٍّتي" يراقب عن كثب نشوء رهبانية الوردية وتطورها وأخذ يطلب بإلحاح إلى البطريرك براكو أن يرسل إلى شرق الأردن بعض الراهبات. وفي السابع من كانون الثاني عام 1887، جدّد طلبه. فكتب يقول:

"أعتقد يا صاحب الغبطة أن من غير الجائز تأجيل قدوم الراهبات مدة أطول والا فقدنا مدرسة الفتيات التي أصبح لنا الحق فيها بمقتضى الأمر الواقع لا بإذن من الحكومة التركية، وإذا ما أقدمنا على إغلاقها أو تجميدها ولو مدة قصيرة، عرّضنا ذلك في المستقبل لمشكلات مستعصية".

وكانت هذه الحجة كافية لإقناع البطريرك الذي لم يكن يجهل النوايا السيئة التي تضمرها الحكومة التركية لإرسالية الناشئة. وأضاف الأب غاّتي سببا ً ثانيا ً ربما نجده اليوم مخالفا ً للروح المسكونية التي أصبحنا نتحلى بها. يقول:

"قد أنشأ البروتستانت مدرستهم منذ ستة أشهر وتديرها مربية قديرة اجتذبت إليها فتيات كثيرات. وعلى أثر هذه الملاحظات لا أظن أن غبطتكم سترفضون إرسال الراهبات بأقصى سرعة ممكنة".

 

ولاقى النداء آذانا مصغية. ووصلت الراهبات بعد أسابيع معدودة، فسرّ الكاهن بهذا العون الذي طالما أنتظره. وكان سروره هذا آخر تعزية له في حياته. فبالرغم من حداثة سنه، لم يعش إلا مدة قصيرة كانت حافلة بالمنجزات القيمة التي ما زالت تخلّد ذكراه إلى اليوم.

وتوفي وله من العمر ستة وأربعون ربيعا ً. وكان قد بذل كل ما في وسعه لتهيئة مسكن لائق بالراهبات. ومما كتبه إلى البطريرك بهذا الشأن:

"أما المسكن فسأبذل جهدي لجعله مريحا ً. وأرى أن المكان الكائن تحت الكنيسة مناسب لذلك. فهو وسيع ويدخله الهواء الطلق، ومقصور ومبلط وتدخله الشمس كل النهار ولا تصل إليه الرطوبة إلا من جهة واحدة".

إيانا أن نصدق هذا الكلام بحرفيته. فهو ليس إلا وصفا ً جميلا ً لحقيقة متواضعة لم تغب عن ذهن البطريرك. أما الأمر الوحيد الذي كان فخما ً بالفعل فهو الاستقبال الحافل الذي جرى للراهبات وشهدت له الأم ماري الفونسين بقولها:

"وحين دخولنا مدينة السلط، استقبلنا الأب يوسف غاّتي والأب أسعد سوداح مع كبار رجال البلدة وبعض ممثلي الحكومة. ونزلنا ضيوفا على كاهن الرعية عشرة أيام كانت كافية لترتيب مسكننا الذي كان قبوا تحت الكنيسة".

وعلى صعيد الواقع إذا، لم يكن دير الراهبات والمدرسة سوى السرداب الطويل الذي أنشأه الأب جان موريتان قبل ذلك بسبعة عشر عاما ً.

 

 

حصاد بلا عملة

 

وكانت الراحة ونعومة العيش آخر ما تطمح إليه خادمات المسيح أولئك. فكل ما كنّ يرمين إليه إعلاء شأن المرأة المسيحية وتحسين أوضاعها باطلاعها على كنوز الإنجيل وتعاليمه النبيلة. وقد أحسنت أولئك النساء استقبال الراهبات "ملائكة السماء".

ولدى افتتاح المدرسة بلغ مجموع طالباتها مئة وستا وأربعين. وبشأن تربيتهن المسيحية كان لا بدّ أن تبدأ من الصفر. وبادرت الطالبات إلى الدخول في أخوية بنات مريم التي تأسست خصيصا ً لهن. وتأسست أيضا ً فرقة أخرى للأمهات المسيحيات انضمت إليها للحال ست وثمانون سيدة. أما الجهل والتخلف فقد كنّ فيهما كبناتهن سواء بسواء. فلم يكن لهن أي إلمام بأمور الديانة. وتيقنت الراهبات أبعاد هذا الجهل وخطره في يوم عيد الفصح. فقد برزت آنذاك حقائق مرّة وجب معالجتها بسرعة. فتحت تأثير بعض التقاليد والعادات الموروثة من البيئة، كانت ممارسة الشعائر الدينية في تلك الأوساط المسيحية مقصورة على الرجال، وكانت المرأة المتحفظة لا تذهب للصلاة إلا نادرا ً. وحتى بعد وصول كهنة البطريركية اللاتينية ودخول الرجال والنساء في حضن الكنيسة الكاثوليكية لم تتغير تلك العقلية إلا ببطء. فكان يستحيل على الكاهن الاقتراب من عالم المرأة بقصد تأمين التعليم الديني لها. وكان هذا من أهم سبب تذرّع به الكهنة لاستقدام الراهبات.

أضف إلى ذلك أن الغالبية العظمى من هؤلاء السكان، رجالا ً ونساء، لم يكونوا يقطنون المدينة بل يعيشون متفرقين في السهول الصحراوية، فلا يتمكن الكاهن من زيارتهم أكثر من مرتين أو ثلاث في السنة لا يقابل خلالها إلا الرجال. وكان يقتصر حضور النساء إلى الكنيسة على يوم عيد الفصح.

وفي صباح ذلك العيد كنٍّ يتوافدن زرافات زرافات لحضور القداس. لكن لم يكنٍّ يدخلن بيت الله بل يقفن في الساحة الخارجية انتظارا ً للمناولة. وكنّ يدخلن جميعا ً ويتقدمن من المائدة المقدسة دون أي استعداد سابق. وكان بعضهن يتناولن أكثر من مرة إلا أن واحدة منهن لم تجرؤ على البقاء في الكنيسة أثناء الذبيحة.

وزادت دهشة الراهبات عندما كنّ يطرحن عليهن الأسئلة التالية:

-         متى اعترفتن بخطاياكنٍّ؟

فيجبن:

-         " لا ندري ما الاعتراف. وكل ما نفعله إننا نأتي ونتناول مرة في السنة".

-         " لكن هل صمتن على الأقل منذ منتصف الليل؟

-         " لا نعرف صيام الليل. إنما أكلنا طعاما صيامياً. خبزاً وسمّاقاً. ولم نفعل كغيرنا من اللواتي أكلن لبنا وجبنا ثم تقدمن للمناولة".

وحاولت الراهبات إفهامهن ضرورة الإقرار بالخطايا للكاهن لنيل الصفح من الله. فاعتراهن الارتباك. وكان جوابهن:

-         "عرّفننا أنتن! فنحن مستعدات للإقرار بخطايانا للراهبة. أما الكاهن فلا".

واقتربت امرأة من الأم الفونسين وقالت لها:

-         "لك أعترف بكل شيء فعلته: سرقت لكي أطعم الأولاد. أسأت إلى الناس بلساني. أبغض سلفتي ولا اصفح عن عدوي...."

واصلت الاعتراف بصوت جهوري. وذهبت كل محاولات إسكاتها سدى. وذات مرة إذ شرعت الراهبات بعد القداس بتلاوة فرض العذراء قالت بعض النسوة لبعض:

"قد بدأ قداس الراهبات. ونفهم ما به لأنه باللغة العربية".

وكانت خبرة عيد الفصح بليغة للغاية وقدّرت الراهبات عظم العمل الذي ينتظرهن. فكان لا بدّ من تضافر المساعي لإصلاح الحال.

ومن حسن الحظ إن تلك النفوس كانت صافية النية ظمأى إلى معرفة الحقيقة.

كان أول عمل قامت به الراهبات دعوة من استطعن من النساء إلى شرب القهوة بعد قداس الأحد، على أن يتبع ذلك حديث ديني يتعلمن خلاله كيفية التقدم إلى الأسرار وأهمية إكرام العذراء. ولم تكن تظهر أي مقاومة لكلام الله. فكلامه أمضى من سيف ذي حدين.

 

أخلاق وثنية

 

وتفاجـأت الراهبات عندما اطلعن على عدد من العادات الوثنية تظهر المستوى الذي يمكن أن ينحدر إليه شعب يجهل أمور دينه. وفي أعقاب خبرة مماثلة صرح خوري آرس، القديس يوحنا فياني: "اتركوا بلدا بدون تربية دينية عقدين من الزمن يعبد الأوثان." وفي شرق الأردن لم يحرم المسيحيون تلك التربية عشرين سنة وحسب بل قرونا ً طوالا.

وفي ظل هذا المجتمع القريب من الوثنية، كانت النساء يعانين بعض الظلم والإجحاف لأن واجباتهن كانت ثقيلة وحقوقهن مهضومة. وعندما كانت القسوة تصل حدا لا يطاق كانت بعض أولئك البائسات يسعين للخلاص مما هنّ فيه بالانتحار.

وكانت الراهبات في بادئ الأمر يرفضن تصديق مثل تلك الروايات التي تقشعر لهولها الأبدان. ولكن استيقن صحتها فيما بعد.

 

أقبل شهر أيار فشرحت الأم ماري الفونسين للفتيات فوائد صلاة السبحة وأشارت عليهن بتخصيص جزء من أوقات الراحة والفراغ بتلاوتها بدلاً من إنفاق الوقت كله في اللهو والعبث. وأصغت الفتيات بدقة لتلك النصيحة وحملتها على محمل الجد. وأثناء التنزه بين الحقول والكروم كن يقمن بتلاوة السبحة بصوت عال يشق عنان السماء ظنا أن العذراء تكون أسرع استجابة لمثل هذا الصوت.

ومضين ذات يوم ليقضين وقتا في الكروم وصلاة السبحة كالمعتاد. وإذا بهن يشاهدن منظراً حبس أنفاسهن: رأين امرأة معلقة فوق شجرة تحاول الانتحار. فتسلقن الشجرة بسرعة وقطعن الحبل وأنقذن المرأة وكان لا يزال فيها رمق من الحياة. ثم انقسمن إلى قسمين، فذهب بعضهن لاستدعاء كاهن الرعية وأخريات بقين بقربها لإنعاشها.

وافى الكاهن مكان الحادث يصحبه بعض الرجال. فنقلوا المرأة إلى دير الراهبات حيث تم إسعافها وعادت إليها عافيتها. وكانت صغيرة السن. وتبين أنها كاثوليكية من أفراد الرعية. وأقرت أنها تشاجرت مع حماتها، وفقدت القدرة على الاحتمال فآثرت بهذه الوسيلة الهرب من العيش المرير.

وكانت ثمة وسيلة أخرى للتخلص من الحياة هي الموت غرقاً في بئر يلقي الإنسان فيه بنفسه، وما هي إلا لحظات حتى يصبح أثرا بعد عين.

وقد سيطرت على الشعب المسكين خرافات واعتقادات باطلة. فإذا مرض احدهم في تلك المناطق الخالية من الأطباء، لجأ أهله وذووه إلى العّرافين والمشعوذين يسألونهم الدواء مقابل بعض المال، ولم يكن الدواء سوى قليل من التراب يذاب في الماء فيتجرعه المريض، أو بعض حبات بخور تُحرق في البيت لطرد الأرواح الشريرة أو ودعات يعلقها الإنسان لتقيه الإصابة بالعين. فلا غرابة إذا تفشى السحر في مثل تلك البيئة. وقد كثر اللجوء إلى السحرة المتكسبين الذين "يفتحون في المندل" للعثور على الأغراض المفقودة ويصنعون حجبا ً لإبعاد المصيبة عن شخص أو لإيقاع آخر فيها. ومن غير المستبعد أن بعض هؤلاء السحرة كانوا يعوذون بقوة الشيطان.

وقد أقرت بعض المنظمّات إلى أخوية الأمهات المسيحيات بأنهن انجرفن مدة طويلة في تيار تلك الترهات والاعتقادات الباطلة.

وكتبت الأم ماري الفونسين وقد تنفست الصعداء

"آه كم عانينا من التعب قبل أن نقدر على استئصال ذلك من نساء رعيتنا".

 

 

عادات شائعة

 

وكانت ثمة عادات أخرى وجب استئصالها. وأهمها ما يتصل عن كثب بمراسيم الزواج الذي لم يكن اتفاقاً متبادلاً بين الشاب والفتاة بل مساومة طويلة بين ذويها يتم خلالها تحديد المهر الذي يجب تأديته لوالد الفتاة دون أن يكون لها أي مجال لإبداء الرأي. ويتم الدفع بالمواد العينية فيتخلى الأب عن ابنته أو مهرة أو ثور.

أما اليوم فقد نما الوعي الديني وأخذت تلك العادات في الاضمحلال بفضل جهد المرسلين والراهبات مدة قرن كامل. وقد أصبح للبطريركية اللاتينية أكثر من عشرين إرسالية في شرق الأردن، بينما لم يكن عام 1873 سوى إرسالية واحدة. وسنرى فيما بعد أن مشروعات الوردية ستنتشر لتشمل المنطقة كلها.

 

العودة إلى فلسطين

 

لم تمر سنتان على وصول الراهبات إلى السلط، حتى كانت المدرسة راسخة الأساس قوية الأركان. وتقرر آنذاك نقل الأم ماري الفونسين إلى نابلس. وكان الأب يوسف طنوس يأمل أملا لا يراوده شك في أنها ستجلب معها بركات السماء لتلك الإرسالية وبخاصة لمدرستها المتداعية.

 

مدرسة نابلس

 

ولا يعيب عن بالنا أن روابط قوية كانت تصل ما بين نابلس والسلط. وكانت الراهبات هنا على إطلاع مستمر على ما يحدث هناك. لذا لم تجد الرئيسة نفسها غريبة في مركزها الجديد. ثم أنها وصلت إليه غنية بخيرات كثيرة نجمت عن اتصالها السابق بالمجتمع الإسلامي. وهذا الرصيد من الخبرة والمعرفة سينفعها في هذه الإرسالية الجديدة.

وكان للإرسالية مدرسة صغيرة مضى على تأسيسها خمس سنوات. وكان الفوج الأول من طالباتها يوشك أن يتخرج ليحملن إلى ميادين الحياة المختلفة ما اكتسبنه من علم وأخلاق إثناء سني الدراسة.

وفي عام 1889 كان قوام المدرسة أربعين طالبة غالبيتهن مسيحيات وسائرهن من المسلمات والسامريات.

ولم تدّخر الأم ماري الفونسين وسعاً في سبيل رفع المستوى التعليمي والديني للفتيات. وواصلت الاهتمام بأخوية بنات مريم التي يعود الفضل في تأسيسها إلى الأم مريم الشويري والأخت ريجينا كارمي.

وفي عام 1890 زار البطريرك لويس بيافي الإرسالية فاستقبلته الراهبات والفتيات استقبالاً حاراً. وتفقد سير المدرسة وطرح بعض الأسئلة على الطالبات. فارتاح لجهد المسؤولات عنها. وقد سرّ كثيراً بما سمعه عن أخوية بنات مريم. وأهدى كل واحدة منهن أيقونة فضية تمثّل العذراء، فحملتها الفتيات بكل فخر وقد تهللّت قسمات وجوههن فرحاً.

 

الجلجلة

 

سبق لنا أن أشرنا إلى التشابه المذهل بين حياة الأم ماري الفونسين وبين حياة الراهبة برناديت سوبيرو. صحيح أن بيئتهما الاجتماعيتين كانتا مختلفتين فالأولى من المدينة والثانية من الريف، إلا أن الله لا يقيم أي وزن للأصل الاجتماعي إنما جاء تساويهما في روح البساطة الإنجيلية وحب العذراء. وحظيت كلتاهما بسلسلة من الظهورات كان للوردية فيها منزلة عالية. وفي كلتا الحالتين كان هدف العذراء تبليغ رسالة هامة. ولما تمّ تبليغهما انتهت الظهورات وعادت الرائيتان إلى الخفاء والصمت تاركتين للكنيسة رئاسة وشعبا مهمة فهم رغبة العذراء وتنفيذها.

كان بينهما أيضاً وجه شبه مؤثر كنا قد أشرنا اليه خلال حديثنا عن مرحلة الابتداء في حياة الأم  ماري الفونسين. وقد حان الوقت الآن لنتناول الموضوع بشيء من الإسهاب.

لم تطلب العذراء من برناديت أن تعتنق الحياة الرهبانية. إلا أن الفتاة أصرت على دخول الدير وهي عازمة على بلوغ الكمال عن طريق النذور الرهبانية. ومن المعروف أن لا قداسة ولا كمال بدون الصليب والألم. وبالفعل فان برناديت قد تجرعت كأس الألم حتى الثمالة. ولم يكن ذلك سوى على يد رئيستها ومعلمة ابتدائها. وكانت كلتاهما تضايقانها وتذلاّنها إذلالا لا يقوى إنسان على احتمالة بدون نعمة الله. وكانت الاثنتان تتوخيان من ذلك إقصاء تجربة الكبرياء عن فكر الرائية واختبار صبرها. وان الرب ليسمح بالألم لمختارية ليتيح لهم فرصة التكفير وممارسة التواضع ممارسة بطولية. وقد سبق أن أنبأت العذراء أمتها برناديت بما سيحصل لها قائلة: "لا أعدك بالسعادة على هذه الأرض بل في الآخرة". وها قد تحقق القسم الأول من النبؤة.

ولنعد الآن إلى ماري الفونسين التي سمعت هي أيضاً كلاماً مشابهاً لهذا الكلام. وقد وعدتها العذراء بدورها: "أما أنت فستأتين معي، بعد أن تكوني قد تعذبت واحتملت كثيراً من راهبات الوردية أنفسهن".

وأثناء مدة الابتداء كانت الأم روزالي – معلمتها ورئيستها في حين واحد – هي الأداة التي أذن بها الله عز وجل لتدريب راهبتنا على الصبر والتواضع.

وقد شعرت هذه الرئيسة بوجود سرّ دفين تكتمة الراهبة في قلبها. وقد استغلق عليها فهم الدوافع الخفية التي جعلت الأب يوسف يحترم الأخت ماري الفونسين حتى الإجلال. وعملت جاهدة لتستطلع السر فلجأت إلى سياسة الشدة والقسوة. ولكنها لم تصل إلى ضالتها المنشودة. غير أن إخفاقها لم يثنها عن عزمها بل ضاعف امتعاضها فأخذت تناصبها العداوة.

ورغم مضي ست سنوات على نهاية مرحلة الابتداء فإن الزمن لم يغير من مشاعر الرئيسة شيئاً. بل استيقظ حقدها مرة أخرى أثناء إقامة الأم ماري الفونسين في الدير الرئيسي طريحة الفراش من جراء إصابتها بالحمى الصفراء. وقد قضت هناك سنة كاملة حتى عوفيت من مرضها.

ومن خلال الاتصالات اليومية بين ألأم روزالي والمريضة الصامتة التي حرصت على كتمان ألمها مثل كتمانها لسرها، عاودت الرئيسة مشاعرها الدفينة. وأسوأ من ذلك أنها لم تحتفظ بها لنفسها بل أخذت تحرّض الراهبات على المريضة مما زاد حالتها سوءاً.

ولم يعلم الأب يوسف طنوس بتلك الأمور إلا في نهاية السنة. فأرغم الراهبة على الخروج من صمتها والتكلم بأمر الطاعة. فأذعنت له وقدمت تقريراً وافياً خلاصته في هذا التصريح:

"قد تجرعت في هذه المدة كأس العذاب المر على يد الأم روزالي التي كانت تبغضني جداً هي وبعض أخواتي المحبوبات".

وبذا تحقق وعد العذراء لها. وكانت تتألم صامته وتقدم تضحيتها للرب من أجل نجاح الرهبانية الغالية على قلبها. ذلك أنها قبلت طوعا الدور الذي أعطي لها وهو أن تكون ضحية الوردية.

ولما تعافت من مرضها أرسلت إلى الزبابدة.

 

طور جديد وقيادة جديدة

 

أدرك المؤسس أن الساعة قد حانت لإجراء تغيير في الجهاز الإداري الذي وكل إليه أمر الرهبانية مؤقتاً، فدير الابتداء أصبح زاخراً بالدعوات، والمشروعات الجديدة آخذة في الازدياد والاتساع. ثم أن القانون الجديد كان قد شرع في تنفيذه بعد أن تم وضعه وفقاً لمبادئ الجمعيات الرهبانية وتعليمات العذراء.

وارتأى الأب يوسف أن الراهبات المحليات قادرات على الأخذ بزمام الجمعية، وثبت له بشكل خاص أن الأم حنة تتمتع بشخصية فريدة وأنها في كل المواقف السابقة كانت تظهر أنها متزنة، ذات رأي ثاقب، ومستعدة للعمل الجاد والمبادرات الجريئة.

ومن جهة أخرى فان الأم روزالي، وغم خدماتها القيمة للمؤسسة أضحت في نظر الأب يوسف مصدر قلق متزايد. فكلما أخذت اتجاهات الجمعية تتبلور اتضح أن شخصية الرئيسة غير قادرة على تسيير دفة الأمور لعجزها عن تفهم المثل العليا التي رسمتها العذراء لراهبات الوردية.

وأدرك أن نفور الأم روزالي من الراهبة المسكينة يتجاوز تباين الطباع والأمزجة ويعود إلى جهلها للأهداف الحقيقية للجمعية. وعدم الانسجام هذا ليس مجرد قضية خاصة بين فردين وإنما يسيء إلى الرهبانية في صميم وجودها.

فاستدعى الراهبات لانتخاب رئيسة عامة جديدة. وفازت الأم حنة بالتزكية ووافق البطريرك على انتخابها فوراً مقراً إياها في منصبها الجديد. وفي الاجتماع نفسه تمّ انتخاب أعضاء المجمع. وبذلك تكون قد انطوت صفحة وبدأ فصل جديد من تاريخ رهبانية الوردية التي قدّر لها في زمن قصير أن تبلغ مرحلة النضوج والاكتمال.

وعادت الأم روزالي تحمل اسم "الأم تقلا ناصر". وبعد مدة قصيرة فضتها بين راهبات الناصرة، طلب إليها أن تؤدي مهمة جديدة. ففي عام 1895، تأسست في لبنان جمعية رهبانية مارونية باسم العائلة المقدسة. وإذ أعجب البطريرك الياس الحويك بالنجاح الكبير الذي حققته تلك الرئيسة في رهبانية الوردية، طلب إليها القيام بدور مماثل في جمعيته الجديدة. وفي لبنان برهنت الأم روزالي كما برهنت في القدس عن المزايا السابقة التي تتحلى بها لنفسها. وقد اضطرت ذات مرة إلى فصل إحدى المبتدئات عن الرهبانية لأنها لم تكن أهلا بها. فحقدت هذه على رئيستها وكانت غير متزنة. فقررت أن تنتقم منها. فتجرأت ذات ليلة على اقتحام غرفتها واغتالتها. ورغم ذلك فإنها قبل أن تسلم الروح صفحت عن قاتلتها بروح إنجيلية. وكان ذلك في السادس والعشرين من آب عام 1899.

 

الدير الجديد

 

يوم عيد الوردية من سنة 1877، كانت العذراء قد أسرّت إلى راهبتنا وهي لا تزال في دير راهبات القديس يوسف في بيت لحم بالكلام التالي:

"اعلمي يا ابنتي أنه سيبدأ بناء دير الوردية في القدس بعد خمس عشر سنة" وما هي إلا عشر سنين حتى أصبح الدير الذي أقتناه البطريرك براكو، يضيق بالراهبات لتزايد عدد الطالبات والمبتدئات.

فطفق المؤسس يبحث عن موقع آخر لبناء دير كبير وملائم. وكان الوقت يلح عليه بالتعجيل لأن أسعار الأرض أخذت في الارتفاع. وقد عثر على قطعة صالحة للبناء معروضة للبيع في حي "ما ميلا" خارج أسوار القدس تبلغ مساحتها عشرة آلاف و 670 متراً مربعا. فلم يتردد في ابتياعها متكلا على قدرة العذراء وواثقاً على بأنها ستعينه على إيجاد مبلغ 24000 فرنك لدفع الثمن.

وحان وقت البناء فتذكر المؤسس أن العذراء بيّنت لأمتها في إحدى الرؤى أن شكل الدير المزمع تشييده سيكون مستديراً على شكل سبحة. فجمع ما استطاع من معلومات وعرضها على أحد المهندسين لرسم المخطط الجديد. وفي نهاية أيار عام 1889، وضع حجر الأساس. ولكن البناء، للأسف، سار ببطء شديد لأنه تقرر تجنب الاستدانة، فأضحى العمل مرهوناً بما يرد من المال. أما موارد رزق الجمعية فلم تكن تكفي نفقات الراهبات الضرورية إلا بمشقة بالغة.

وكان الأب يوسف في قرارة نفسه يتألم تألماً شديداً لسببين: أولهما عجزه عن تعجل البناء، والثاني شعوره بأن صحته آخذة في الضعف، فأدرك أن ذلك لم يكن إلا إشارة أولى من العناية الربانية، وأن عليه الاستعداد للرحيل عن هذه الدنيا الفانية. وبالفعل لم يفرح بانجاز المشروع ولا بإقامة الذبيحة في كنيسة الدير المؤقتة. وعند وفاته لم يكن فد أنجز من البناء سوى جناح واحد.

وهكذا تحقق وعد العذراء بأن الدير سيكون في طور البناء بعد خمس عشرة سنة. وفي مخططات الرب الحكيمة، يندر أن ينهي القديسون مهماتهم أو أن يجنوا ثمرة أتعابهم وهم على الأرض أحياء يرزقون.

 

وفاة المؤسس

 

انفق الأب يوسف طنوس سني حياته في العمل الدؤوب وحمل نفسه أكثر مما تطيق حتى خارت قواه وهو لا يزال في مقتبل العمر. وبالإضافة إلى المناصب العديدة التي ذكرنا أنه وليها، وكل إليه غبطة البطريرك مهمتين جديدتين. فأصبح أولا الأب الروحي لجميع الرعايا الكاثوليك أتباع الطقس اللاتيني في الأبرشية، فكان يدافع عن حقوقهم لدى رجال الحكومة التركية في عهد الرشوة والاستبداد. وأصبح ثانياً معتمداً للبطريركية لدى الحكومة العثمانية. وقد قام بأعباء هاتين المهمتين عشر سنين على أكمل وجه. ولم يكن ليرفق بنفسه رغم الإرهاق الشديد الذي بدأ يشعر به منذ سنين.

 

الرب قريب على الأبواب

 

ولم يرض بالكفّ عن العمل إلا عندما اشتدت عليه وطأة الداء الذي سبق وفاته مباشرة. ففي أواخر شهر نيسان 1892 تورمت يداه ورجلاه وكان مصاباً بمرض في الكلى. فأوصى له الأطباء بقسط من الراحة في الناصرة مسقط رأسه عسى أن يساعده هواؤها على استرجاع شيء من صحته. فغادر القدس في الثاني من حزيران عام 1892 ولم يعد إليها حياً.

وطرأ بعض التحسن على صحته فظن ذووه انه بدأ يتماثل للشقاء لكنه نكس فأخذ اليأس طريقة إلى نفوسهم.

وكان المريض عالماً بحاله. فاستودع الربّ نفسه. أما عائلته فلم تستسلم للأمر الواقع بل أصرّت على إجراء المزيد من الفحص الطبي ولكنه استدعى أخاه "خليل" وقال له: "أبعد الطبيب عني، إذ أني أشعر بدنو أجلى". وكان ذلك في الثامن والعشرين من أيلول أي قبيل وفاته بيومين.

وكانت راهبات الوردية ملتفات حوله ولا يقل اهتمامهن به عن اهتمام أسرته وذويه، ونظر نحوهن وقال:

"حان الوقت لتأخذن بزمام الأمور كلها. أما أنا فسأمضي". ورفع عينيه إلى صورة العذراء المعلقة في ستارة السرير وقال وقد طفرت دمعة من عينية: "يا سيدة الوردية صلي لأجلي"؟ وكانت آلامه شديدة وقد مضى سواد الليل وهو أرق لا يذوق النوم طعماً. وقبل الفجر بدأ يستعد للمناولة. ولاحظت الراهبة التي كنت تعتني به أن به همّا، وكأنه يبحث عن شيء. فسألته: "فيم ترغب يا أبت؟" أما هو فكان تفكيره محصوراً في الرب الذي سيأتي إليه في المناولة. فجمع قواه وتململ في فراشة ثم أجاب بهدوء:

"لا أرغب إلا في اقتناء قلب رحب فسيح يتسع للعالم كله فأحب الله الحب الذي يستأهله. يا للعجب! رب السماوات والأرض لا يأنف من أن يأتي إلىّ ويجعل ذاته طعاماً  لإنسان حقير مثلي!".

وسمعته الراهبة يلفظ كلمات المزمور: "ما الإنسان حتى تذكره وابن البشر حتى تفتقده؟"

ومنذ تناوله القربان الأقدس وحتى لحظة وفاته بدا وجهه مشرقاً إشراقه سماوية. وكانت سمات الوداعة تقرأ على قسمات وجهه. ودهش هو نفسه من الانقلاب الروحي الذي أحدثته عناية الله في أعماق نفسه.

وأخذ يعيد ويكرر بلا ملل عبارة الخضوع والاستسلام لإرادة الرب "لتكن مشيئتك يا الله، لتكن مشيئتك". وقد زوّد الراهبات بإرشاداته الأخيرة ولم يمسك عنها إلا ليقول:

"كنت في الماضي أفزع من الموت. وكثيراً ما سمعت انه مرّ المذاق. غير أني أراني الآن هادئ النفس ولا أشعر بأي ألم أو اضطراب".

ثم شخص بصره إلى صورة سيدة الوردية وقلبه يفيض نحوها بالشكر وعرفان الجميل. وسمعه الحاضرون يقول:

"يا مريم، سأكون عندك يوم الأحد لأحتفل وإياك بعيد الوردية في السماء" وكان ذلك اليوم التاسع والعشرين من أيلول وكان عيد الوردية وقتئذ يقع في أول أحد من تشرين الأول.

ثم ودع جميع الحاضرين وقال:

"اشكر من صميم الفؤاد جميع الذين ضحوا لأجلي طيلة مدة مرضي. وأرجو أن يصفحوا عني إذا أسأت إليهم...غدا لن أكون على قيد الحياة. ولكن أينما كنت في المطهر أو في السماء، فلن أنسى أحداً منكم في صلاتي, وفي يوم الأحد القادم، يوم عيد الوردية، آمل أن يكون الرب القدير الرحيم قد تنازل وقبلني في مقر الأفراح الأبدية".

 

وصاياه الأخيرة

 

ثم خلا إلى نفسه وأخذ يصلي في صمت. وكانت راهبات الوردية يحطنه بعناية بالغة وهن متلهفات. وحاول التخفيف من وطأة حزنهن فقال:

"شاء الله أن أفارق الدنيا. فلتكن مشيئته. ومن يديه أقبل الموت راضياً مطمئناً. أما أنتن، فلتكن ثقتكن بالرب كبيرة فهو لن يترككن. وإني استودعكن بين يدي العذراء سيدة الوردية. وكن على يقين من حمايتها وموآزرتها. ومتى ذهبت إلى السماء سأكون انفع لكن من بقائي على الأرض".

والتفت نحو الأم حنة دانيل الرئيسة العامة وأضاف: "كوني حقاً حانية على جميع الراهبات. علميهن المحافظة على القوانين بدقة. وكم أتمنى أن تنمو فيهن الروح الرهبانية". وأطرق قليلاً ثم استأنف: "والآن اقبلي منى البركة الأخيرة التي أمنحك إياها وجميع الراهبات الحاضرات منهن والغائبات من صميم قلبي، صلين لأجلي. أما أنا فلن أنساكن أبداً."

وخيّم الحزن والأسى على جميع الحاضرين، ولم يثووا على حبس دموع ترقرقت في عيونهم. وإذا أبصر المريض بعض إخوته الكهنة وهم المنسنيور انطون رزق والقانوني شكري صافية والأب انطون دانيل استدناهم منه وأوصاهم بالراهبات.

وبعد الظهر، اقتبل مسحة المرضى بكل تقوى وإيمان. ثم قال للكاهن الذي مسحه بالزيت المقدس: "شكراً لله، إني الآن مستعد للرحيل. ولم يبق لي بعد سوى تناول الزاد الأخير. ويمكن مناولتي في هذا المساء لأني سأفارق الحياة صباح غد الجمعة".

وطلب أن يصمد القربان في الكنيسة المارونية المجاورة، وأن يصلي لأجله كي ينال نعمة الميتة الصالحة، وقرعت الأجراس فتوافد كثير من مسيحي الناصرة إلى الكنيسة ليصلوا لأجل هذا الكاهن الذي كانوا جميعهم يجلونه أيما إجلال.

وكانت أمه العجوز التي ناهزت العقد التاسع من العمر قائمة بقربه تحاول كبت حزنها. فلما رأت ابنها في تلك الحال أجهشت بالبكاء. فالتفت إليها والتمس ببراءة الأطفال أن تباركه. ثم قال لإخوته الكهنة الذين أبوا مفارقته: "وانتم أيضاً امنحوني بركتكم".

وأحضر إليه الكاهن الزاد الأخير، فتناول جسد الرب بكل إيمان وتقوى وقضى ليلته هادئاً مطمئناً. وفي صباح الجمعة، أقبلت عليه الراهبات ليلثمن يده للمرة الأخيرة. ثم مضين إلى الكنيسة لحضور الذبيحة التي سيقدمها أحد الكهنة لراحة نفسه.

 

 

 

 

 

عزاء أخير

 

وما كاد يخلو إلى نفسه حتى جرى مشهد مؤثر يدل على عناية الرب وعطفه على أصفيائه. وصل آنذاك كاهن رعية الزبابدة ترافقه راهبتان من الوردية أحداهما الأم ماري الفونسين الابنة المفضلة لدى الأب يوسف. وكانت قد لزمت الزبابدة منذ شفائها من مرضها. وما كادت تسمع أن أباها الروحي يعاني حشرجة النزاع حتى أتت على عجل تودعه الوداع الأخير.

فلما شعر المحتضر بوجودهما ابتسم وقال: " أتيتما لتودعا أباكما اجثوا هنا لأبارككما".

وبعد وقت قصير سأل الحاضرين إخلاء الغرفة، واستدعي الأم ماري الفونسين وحدها. وكان بحاجة إلى تلك المقابلة ليأتمنها على رغبتة الأخيرة، لأنها كانت قادرة على فهمه أفضل من أية راهبة أخرى. فمنذ وفاة البطريرك براكو لم يبق أحد سواهما على علم بأسرار العذراء وإيحاءاتها. ومنذ اليوم، ستنفرد الراهبة بحفظ تلك الأمانة المقدسة.

ورغم ظهورها بين الناس بمظهر راهبة عادية لا تتميز من أخواتها بشيء، إلا أن المؤسس كان موقنا أنها ستحمل على عاتقها، منذئذ وصاعداً، مستقبل تلك المؤسسة التي إرادتها العذراء، وستكون أيضاً أمام الله الكفيلة الوحيدة بتنفيذ التعهدات التي التزم بها كلاهما لسلطانة الوردية.

ومكثا في حوار روحي ساعة كاملة. انه حقا حوار قديسين تلاقى قلباهما في الله. وكان منظر وداعهما تتفطر له الأفئدة ويشبه وداع اغسطين لأمه مونيكا على شاطئ "اوستيا" شبها عظيماً. وبعد أن راجعا معاً كل الأمور وأفضى إليها بما يختمر في ذهنه قال: "اقبلي الآن بركتي". فخرّت جاثية على الأرض.

وبقي كلمة أخيرة يقولها على انفراد. كان يعلم عظم ما عانت الراهبة في الماضي وما ستتألم في المستقبل، وأن حياتها يعد رحيله ستكون أشد عسرا لأنها ستحرم ذلك السند القوي الذي كانت تلقاه ساعة الضيق والشدة. فنظر إليها نظرة إشفاق وقال:

"واحسرتي عليك أن كنت ستعيشين طويلا بعد موتي. لأنك ستلاقين عذاباًَ شديداً من أخوتك".

فأجابت بكل عزم وسخاء:

"لا أبالي بالعذاب. فأنا ذبيحة الوردية. وكل ما أريده سعادتك في الديار السماوية. وان راحتك راحتي". ومسحت دمعة سالت على خدها ثم أردفت:

"إن أمنا الحبيبة التي خدمتها في حياتك، ستأتي وتساعدك في هذه الساعة".

فقال:

"أهلا بالموت ومرحبا! انه ليس صعباً. لكن مريم قد أبطأت. فمتى ستأتي يا ترى؟" ويبدو انه نسي ما قد أنبأ به عن موته.

وبارك ابنته وشخص إلى صورة العذراء وتنهد ثم قال: "ستبقى أختك ريجينا واحدة منكن. فقد سبق أن وعدتها بذلك". وقد مرّ بنا أن ريجينا دانيل تركت الرهبانية لأسباب صحية إذ لم تعد قادرة على مواصلة الحياة في الدير.

وكان المختصر قد أعياه الداء وأنهك قواه، وتهدّج صوته وترقرقت في عينيه دمعتان كبيرتان كحبتي لؤلؤ.

 

بين يديك استودع روحي

 

واستدعت الأم ماري الفونسين المنسنيور انطون رزق الذي كان ينتظر خلف الباب. ولما أبصره المدنف سأله أن يصلي عليه صلاة المحتضرين. وقد تمكن من الإصغاء إلى صلاته بمشقة بالغة. وكانت علامات الموت بادية على محيّاه. وأضحى رحيله وشيكا. ولما فرغ الكاهن من الصلاة منحة الحلة الأخيرة وأخذ يردد على مسامعه كلمات المسيح على الصليب: "بين يديك يا رب استودع روحي".

فكرر المدنف على أثره: "بين ....يديك...." وقبل أن ينهي العبارة أسلم الروح. وكان ذلك في الموعد الذي أنبأ به، صباح الجمعة، في الثلاثين من أيلول عام 1892. ولم يكن له من العمر سوى أربعة وخمسين عاماً.

وفي اليوم التالي وكان مطلع شهر الوردية، أقيمت مراسيم دفنه في كنيسة الناصرة الراعوية حيث كان قد نال العماد. وقد خرجت كل المدينة في موكب جنازته لتشييع ابنها البار الذي كان موضع احترام جميع مواطنية وإجلالهم.

وفي سنة 1899 وتلبية للرغبة التي أبداها في وصيته، نقلت وفاته إلى القدس ووضعت في القبو الذي شيدت فوقه كنيسة سيدة الوردية.

 

في ظلال المهد

 

كان المؤسس الفاضل قبل وفاته ينوي تحقيق مشروع جديد. فلما شعر بسوء صحته ودنو أجله، استدعى تلك التي كانت أقرب الناس إلى فكره وروحه، وأبدى لها رغبته في إنشاء ميتم للفتيات في بيت لحم، على غرار ذاك الذي أقامه الأب بللوني للأولاد، على أن تضاف إليه مدرسة للخياطة والتطريز. كان القصد مساعدة الفتيات المعوزات على إيجاد وسيلة لكسب أسباب المعيشة. ومما قاله للأم ماري الفونسين:

"إذا منّ على الرب بالشفاء سيكون ذلك أول عمل أقوم به، وألا فاني أعول عليك في انجاز المهمة. وأتوقع أن تبدلي قصارى جهدك".

وأضاف موضحاً أن راعي طائفة بيت لحم الأب فرنسيس فرّا كان قد ألح عليه في طلب المشروع، واستعد للمساهمة فيه.

جرت تلك المقابلة بينهم في العاشرة من أيلول قبل وفاة المؤسس بعشرين يوماً فقط.

 

وضع معقّد

 

وفي ذلك الحين لم تكن الأم ماري الفونسين مدركة أن مرض الأب يوسف على جانب من الخطورة. ولذا لم تبال كثيراً بمشروعة اعتقاداً منها أنها لن تتحمل أية مسؤولية فيه. كما لم تطلع عليه أحداً. ولكن، على أثر وفاة المؤسس، شعرت بثقل الرسالة التي اؤتمنت عليها.

وبلغت حيرتها شأوا بعيداً لأنها لم تكن عضوا في المجمع العام للرهبانية الذي ينفرد بحق تقرير المشروعات الجديدة. فكيف تستطيع الإدلاء برأيها؟ وإذا ما أقدمت على عرض الفكرة، هل سيتفهم المسؤولون موفقها؟

وكانت بيت لحم بلدة صغيرة، فيها مدرستان لراهبات القديس يوسف تقومان بتربية الفتيات. وكانت قد عملت بنفسها بين صفوفهن عشرين عاماً ونيفا. فخشيت أن يعتبرن تجرؤها على ذلك العمل ضرباً من المنافسة الرخيصة، مما سيوقظ فيهن حزازات الماضي التي أفلح عامل الزمن في إخمادها. وتساءلت عما إذا كانت تلك هي مشيئة الرب. ولم يقدها تفكيرها إلى أية نتيجة. وعبثا حاولت أن تصلي لتبصر نور الحقيقة. فالعذراء القديسة لم تعد تتراءى لها، وزمن الظهورات كان قد ولى.

وبعد تشييع جثمان الأب يوسف إلى مثواه الأخير كانت قد عادت إلى مركز عملها في الزبابدة. ولم يعد لها أي مرشد تطلعة على أمورها الروحية. وإذ لم يكن البطريرك الجديد "بيافي" مطلعاً على حقيقة أمرها، لم تجرؤ على اللجوء إليه. لذا بيتت النية على الاهتمام بواجباتها الحالية منتظرة إشارة واضحة من العناية الربانية.

ومرت ثمانية أشهر دون أن يحدث أمر جديد. وفي حزيران من عام 1893، مضت إلى الدير الرئيسي لقضاء بعض الأمور الملحة والمتعلقة بعملها في الزبابدة. ولما همت بالعودة استدعاها البطريرك في أمر عاجل. فمضت إليه للحال.

استقبلها غبطتة بلطف وبشاشة واستطلع سير الأمور في إرساليتها. ثم عجل عن موضوع الحديث فجأة وأخذ يتكلم عن مشروع الأب يوسف الأنف الذكر، وإذا به مطلع عليه، لا بل يتبناه ويأخذ على عاتقة أمر الإنفاق عليه. وطلب منها أن تتوجه إلى بيت لحم بدون تأخير لتنشئ مشغلاً للخياطة لتعليم الفتيات الفقيرات. وأوصاها في الختام بأكبر قسط من التحفظ، واضعا إصبعه على شفتيه تعبيراً عن ذلك.

فضي الأمر ولم يبقى للتردد أي مجال. وفهمت أن الله عز وجل ينوي زجّها من جديد في موقف حرج. ولكن لماذا يتوجه البطريرك بالكلام إليها لا إلى الرئيسة العامة مباشرة. وما أسباب إسراعه في إنشاء المشروع بعد أن مضت مدة طويلة على وفاة المؤسس؟ وعن هذه الأسئلة التي جالت في خاطرها، لم يقدم لها البطريرك، أثناء حديثة أي جواب. بل اكتفى بأن عرّفها في المشروع وكفلت نفقاته وقد أرسلت مبلغ 500 فرنك دفعة أولى على أن يبدأ العمل دون إبطاء.

وجعلت السيدة الفرنسية عطاءها مرهوناً بالتزام غبطته بتوقيع كتاب كانت تنوي إرساله إلى الدير الرئيسي لراهبات القديس برونو (Les Chartreuses) في فرنسا. ووافق البطريرك على الشرط.

لم تكن راهبات الوردية على علم بموضوع تلك المقابلة. فعادت الأم ماري الفونسين أدراجها إلى الدير لإطلاع أختها الأم حنه على ما سمعته من البطريرك. فتقرر توا إيفادها إلى بيت لحم برفقة الأخت جوزيفين أبو صوان وهي راهبة شابة أنهت مرحلة الابتداء منذ وقت قريب. ويوم عيد قلب يسوع الأقدس توجهتا معاً إلى بيت لحم وعرجتا على كاهن الرعية.

 

في البحث عن مأوى

 

كان الأب فرنسيس يتوقع قدوم الراهبتين ولك ليس بتلك السرعة، لأنه لم يتمكن بعد من إعداد المكان المناسب لسكناهما. ويجب الإشارة إلى أن قدوم الأم ماري الفونسين غير المتوقع من الزبابدة إلى القدس ومقابلة غبطته الذي استعجل مضيها إلى بيت لحم، هما اللذان جعلا الأمور تتلاحق بهذا الشكل المفاجئ.

ارتبك الكاهن في بادئ الأمر إلا انه أحسن استقبالهما وأمن لهما مسكنا مؤقتا ريثما يتم إيجاد مقر ثابت. وللحال شرعت الأم ماري الفونسين تبحث عن بيت مناسب. فوجدت مرامها في شقة متواضعة كان يملكها السيد مبارك دعيق. فسكنتها الراهبتان راضيتين بالضيق تاركتين معظم المكان لأغراض المشغل. ولئلا تثقلا كاهل الأب فرنسيس اكتفتا بالحد الأدنى من الإنفاق. وكان ذلك التقتير موافقا لميول الرئيسة ورغبتها في التقشف. وكتبت تقول:

"كانت تعزيتنا عظيمة بفقرنا المدقع، وكنا نحتمله تعويضاً عمن لا يلتزم الفقر في رهبانيتنا. وكنا نفرح بالاشتراك في فقر العائلة المقدسة في نفس البلد الذي احتملت فيه عذاب الفقر التام. فيا لسعادتنا بنيل هذه النعمة من كرم الطفل يسوع."

ومنذ اليوم الأول، أقبلت إليهن الفتيات من أفقر عائلات  بيت لحم. وبدأن يتعلمن مبادئ القراءة والكتابة. ثم تقرر تدريبهن على أعمال الخياطة والتطريز وصنع السبحات.

اكتظت الشقة بالطالبات حتى ضاقت بهن. فوجب البحث عن مكان آخر. فاستأجر لهن الأب فرنسيس بيتا بكاملة كان ملكا للسيد ميكيل. وبالرغم من صغر مساحته فقد وجد كافياً في ذلك الحين.

واصلت الطالبات طلب العلم بشغف عظيم، وكان للصلاة وإكرام العذراء مكان الصدارة في البرنامج اليومي. وهل كان في وسع راهبتنا الورعة أن تنسى إيحاءات العذراء بشأن راهبات الوردية وقد حظيت بها على بعد خطوات معدودات؟ وفي غضون ذلك جرى أمر بالغ الأهمية حمل الفتيات على إكرام العذراء أكثر من ذي قبل وساهم في تعظيم السبحة في نظرهن.

كانت تسكن في جوار الدير امرأة قد كف بصرها هي عقيلة السيد حنا عيسى قطان. ولم تدخر أسرتها وسعا في معالجتها. وبذلت الغالي والنفيس بدون جدوى، حتى أن الطبيب "باكر" يئس من شفائها. لكن الأم ماري الفونسين، لم تيأس بل فطنت إلى العلاج الذي كثيراً ما كان ذا نتائج باهرة. فقررت الالتجاء إلى العذراء مرة أخرى من أجل تلك الفقيرة العمياء. أو لم تكن أمها السماوية قد وعدتها يوما "ستكون الوردية كنزك؟ وتقرأ من مذكراتها:

"ولدى زيارتها لها طلبنا كأس ماء ووضعنا السبحة فيه ثم قطرنا بها عينيها وصلينا مع أهل بيتها خمس عشرة مرة "السلام عليك يا مريم".

وحرصت راهبتنا على ترك الماء لتواصل المرأة المسكينة استعماله. وأفهمها أن هذا العلاج الجديد يستمد قيمته من الإيمان بشفا عه العذراء. وأضافت تقول:

" وفي الغد طلبوا إلينا ثانية قليلا من ماء السبحة قائلين أنها قد تحسنت." وحقاً أخذت المرأة تتماثل للشفاء. وما هي إلا أيام معدودة حتى استعادت كامل بصرها وتمكنت من الوصول إلى الكنيسة. ولم تلبث أن وجدت نفسها قادرة على مزاولة الخياطة والتطريز، وقد كانا مصدر رزقها. أما الأم ماري الفونسين. فبعد أن سردت القصة في مذكراتها أخذت تعبر عن جزيل شكرها للبتول.

وازدهر المشروع وتضاعف عدد الفتيات حتى ضاق بيت السيد ميكيل بأعدادهن المتزايدة، فارتحلت الراهبات من جديد إلى بيت السيد مبارك دعيق بعد موافقته على تأجيرهن البيت بكامله.

وبلغ عدد عاملات المشغل خمسين فتاة. وكن يخطن الملابس ويطرزن المناديل ويحكن ما يحتاج إليه الهيكل من كساء. وكان رهبان القديس يوحنا عبد الله الذين كان مقرهم على رابية الطنطور في بيت لحم، يستغلون نفوذهم الواسع لاستقطاب أكبر عدد من المشترين لنتاج المشغل. وإذا به يدر بعض الربح، فقررت القائمات عليه دفع أجرة أسبوعية للفتيات.

وعلى صعيد النشاطات الأخرى، تأسست "أخوية الوردية" بموافقة كاهن الرعية. فاجتذبت في وقت قصير تسعا وثلاثين سيدة عدا طالبات المدرسة.

 

إنجازات جديدة:

 

وعملا بوصية المؤسس للأم ماري الفونسين قبيل وفاته فتحت المدرسة أبوابها لاستقبال اليتيمات بعد أن أنشئ لهن قسم داخلي خاص. فلم يعد البيت يتسع للمشروعات جميعاً. فوجب الانتقال إلى مكان آخر. وأضف إلى ما سبق سبباً آخر للرحيل هو إصابة الراهبتين بداء في العينين لسوء الأوضاع الصحية في تلك البيئة. ووجدت الرئيسة مرامها في بيت السيد "لولص" بالقرب من كنيسة الآباء السالسيين.

وكان المقر الجديد أكثر اتساعاً وأنقى هواء. وبمحاذاة الميتم أنشئت عيادة طبية أخذ يرتادها مرضى كثيرون.

تنوعت النشاطات وانتظمت وفقاً لبرنامج يومي دقيق. فبعد القداس كانت الطالبات يمضين إلى الصفوف والعاملات إلى المشغل. وكن جميعاً يتلون الوردية الكاملة، ويستمعن إلى قراءة روحية والى درس ديني في شرح العقائد والأسرار وكيفية إكرام العذراء. ومجمل القول أنهن جميعهن كن يجنين ثقافة دينية جيدة وقسطاً كبيراً من العلوم والتدريبات النافعة.

وكان الأب قرنسيس يراقب سير الأمور برضى واطمئنان. واهتم بتأمين العمل المناسب لخريجات المدرسة حيثما وجد إلى ذلك سبيلا. إلا أن الجزء الأكبر من المسؤولية كان يقع على عاتق الراهبات. ولم يلبثن أن واجهن قضية هامة. فكيف يمكن منذ ذلك الوقت وصاعدا إعالة تلك الأسرة الكبيرة المتزايدة؟

 

هموم مادية

 

صحيح إن "مدام بيكار" كانت قد أخذت على نفسها تحمل كل نفقات المشروع، لكن حدود سخائها لم تتجاوز خمسمائة فرنك. وكأن البطريرك لم يستصوب التوقيع على كتابها الأنف الذكر فانقطعت الاتصالات بين الطرفين.

ولم تكن الصدقات القليلة وما يدرة من المشغل من رح تفي بالحاجات المادية الملحة لا سيما حاجات اليتيمات اللواتي كان عددهن في ازدياد مستمر. وفي عام 1895 وصلت الأزمة إلى طريق مسدود، وأمست تنذر بانهيار المشروع.

وبلغت الأخبار مسامع القنصل الفرنسي في القدس، وهو السيد "ليدو" الذي كان يتابع بعطف واهتمام نشأة المشروع ومسيرته الدينية والاجتماعية. فأثار الأمر الطارئ قلقه. وتقول الأم الفونسين: "ذات يوم، كنت مريضة، وإذا بسعادة القنصل الفرنسي السيد "ليدو" يشرفنا بزيارة على حين غفلة".

وطلب الزائر الكريم تفقد المشروع. ولم يخف أن أهل السعاية والوشاية حاولوا أن يرسموا له صورة مشوهة عنه. لذا طرح أسئلة متعددة تدور حول ظروف الفتيات الاجتماعية ونوع العمل ومستوى التعليم. وتطرق حتى إلى مواعيد الصلاة، وانتهى إلى السؤال الشائك الذي طالما أقلق الراهبات. فسأل الرئيسة:

من يؤمن لكن المعيشة؟

فعرضت عليه آنذاك الحالة المادية اليائسة وروت له أمر السيدة الفرنسية التي قطعت عنهن المساعدة في بداية المرحلة. وأضافت أنها رغم كل المشقات والعقبات. ما زالت مستمرة في العمل وتستقبل من الفتيات أشدهن فقراً وعوزاً. وأكدت أن الأمل في مواصلة العمل ضعيف جداً نتيجة للأزمة المالية الخانقة. وظهرت على محياها إمارات الحزن والأسى عندما صارحته بأن المؤسسة ستكون مضطرة عما قريب إلى إغلاق الميتم في وجه نزيلاته. فقال القنصل متأثراً:

"لا! لا! إياك أن تغلقي المشروع بل يجب الاتكال على عناية الرب".

وودع الراهبات ولسانه يلهج بالثناء والاستحسان وأوصى زوجته ببذل كل ما في طاقتها لإنعاش تلك النشاطات الإنسانية. ومن الطبيعي أن كان لهذه الزيارة تأثير بالغ في نفوس سكان بيت لحم أجمعين.

ووفى القنصل بوعده. وعين لهن مبلغاً شهرياً قيمته 500 فرنك. فمضت الرئيسة إلى القنصلية الفرنسية لتشكر لسعادته تلك المكرمة السامية. كما قامت السيدة "ليدو" عقيلته بإتاحة فرص عمل أفضل لليتيمات. وكان من شأن هذا العون إنعاش المشروع وتنشيطه من جديد. وبعد وقت قصير أصبحت الأم ماري الفونسين في غنى عن كل مساعدة خارجية. وحولت المدد الفرنسي إلى الدير الرئيسي الذي كان يعاني بعض العوز.

ولكن ينبغي إلا يوهمنا ذلك أن راهبات بيت لحم ويتيما تهن كن يعشن في رفاهية ورغد.

 

السماء تتدخل

 

وفي السنوات اللاحقة مرت بهن أيام عسر أخرى. وفي كل مرة كانت الأم ماري الفونسين تحث بناتها على الصلاة فلا تخيب العناية الإلهية أملهن. وكن ذات يوم بحاجة ماسة إلى القوت. فمضت الرئيسة بصحبة الأخت مارتينا إلى مغارة المهد لتلاوة السبحة طلباً لعون السماء. وبينما هما قائمتان تصليان إذا بامرأة مجهولة تدنو وتضع في يد الأم ماري الفونسين صدقة سخية ثم تختفي.

 

وفي يوم آخر من سنة 1904 كان تدخل السماء أشد وضوحاً وأعمق أثرا. فقد أوشكت المؤونة أن تنفذ فباشرت الأم تساعية صلاة إلى القديس يوسف. وانقضت الأيام التسعة دون استجابة فراحت الهواجس والظنون تساور قلوب الراهبات. وأخذ الجوع يعض الجميع بأنيابه. إلا أن الأم ماري الفونسين لم تقنط بل واصلت حث بناتها على الابتهال إلى القديس يوسف لأنه لا يخذل أحدا.

وفي مساء الثامن عشر من آذار، وبينما كانت الأمطار تهطل بغزارة، وقد خيم الليل قرع الباب قرعا خفيفاً. فمن ترى يكون طارق هذا ولا أحد في انتظاره؟ وطنت الرئيسة أن رجال الأمن يمرون بالقرب من الباب. إلا أنها سمعت قرعة أخرى، فسألت وقد أوجس قلبها خيفة " من القارع"؟ فأجاب الشخص المجهول: "افتحوا لي".

وكان صوته يدعو إلى الأنس والطمأنينة. ففتحت الرئيسة الباب بنفسها. وإذا برجل غريب يحمل على كتفه حملا ثقيلاً، فدخل وبسط عباءته على الأرض وكانت مليئة بالخضر والفواكه، ثم قال بلطف وبشاشة: "هذا كله ليتيماتكن".

وطفقت الأخت فرنشيسكا تفرغ العباءة من محتوياتها وهي تتأمل في جمالها وجدتها ولونها الأصفر الذي تزينه خطوط ذهبية. ومن المذهل حقاً أنها لم تتسخ أو تتثنّ رغم ما ملئت به من ثمار. كما لم تكن مبتلة مع أن الأمطار الغزيرة كانت لا تزال تتساقط في الخارج.

حاولت الرئيسة استدراج الضيف لمعرفة هويته فسألته عن الذين أرسلوه:

"هم أخوة القديس يوحنا عبد الله؟ أم راهبات دير ارطاس؟ أم الأب شكري؟" وكان دائماً يجيبها بالنفي. وفي النهاية لم تجد ما تكلمه به. وكان الرجل طويل القامة، هزيل الجسم، شاحب الوجه، يرتدي "قمبازاً" أبيض تقطعه خطوط زرقاء ويتنطق بمنطقة زرقاء.

طوت الأخت فرنشيسكا العباءة بعناية وأعادتها إلى صاحبها. لكنه لم يلبسها بل ألقاها على ساعده. وأخيراً سألته الراهبات عما إذا كان يريد أجراً. فأجاب بلطق أنه لا ينتظر منهن شيئاً. ثم ودّع الجميع واختفى في ظلمة الليل الماطر. وما كاد يخرج حتى أخذت الراهبات ينظر بعضهن إلى بعض متسائلات:

ألم يكن هو القديس يوسف؟

وأقبلت الراهبات والبنات على الطعام بنهم شديد. وكفاهن أسبوعاً. وكانت الأم ماري الفونسين تحث بناتها قائلة: "كلن من الثمار التي أهدانا إياها القديس يوسف".

وزعمت الأخت فرنشيسكا أن صنفاً معيناً كان شهي المذاق، مستدير الشكل، لونه أخضر فاتح لم يسبق أن شاهدت مثيلاً له في فلسطين.

ولم يكن الميتم منتفعاً وحده بتلك النعم السماوية. فمحبة الأم ماري الفونسين جعلتها تطلب لهم نعماً هي أقرب ما تكون إلى عجائب حقيقية. ويجدر أن نورد هنا حادثه اهتزت على أثرها كل مدينة بيت لحم.

كان يقطن في جوار الدير رجل في مقتبل العمر معروف في المدينة كلها يدعى جبرائيل دبدوب، أصيب بمرض التيفوس واشتد به حتى أشرف على الموت. فأتاه الكاهن ومنحه الأسرار الأخيرة.

استدعيت الراهبات على عجل لإسعافه بصلواتهن في لحظة موته. فوجدته قد ندي جسمه بعرق النزاع. وما لبثت أن لفظ أنفاسه الأخيرة أمام بصرهن وسمعهن وإذا بـ "سارة" شقيقة الميت، تمزق ثيابها من شدة اللوعة والحزن. وأخذ أهله يصرخون وينتحبون. فأسرع الكاهن إلى الباب. لكن الأم ماري الفونسين التي لم تكف عن الصلاة كل تلك المدة استوقفته برفق قائلة:" مهلا، يا حضرة الأب، ربما لم يمت".

نطقت بذلك رغم يقينها أنه أسلم الروح. لكن قوة داخلية ألهمتها أن العذراء مريم قادرة على إنهاضه وإعادته إلى عائلته الحزينة حيّاً.

ولكن الكاهن واصل السير في طريقة دون أن يكترث لها فالتجأت إلى سبحتها التي كثيراً ما أثبتت قدرتها في أحلك الظروف. فأحضرت كأس ماء وغمست فيه سبحتها بإيمان ثم ألقت في فم الميت بضع قطرات من "ماء السبحة" وهي تدعو اسم العذراء. وأخذ الرجل يتجرع الماء! فخيم صمت عظيم على جميع الحاضرين كما لو شعروا بحضور الله بينهم. وإذ أبصرت الراهبة وعاء يحوي عصير سفرجل تناولته للحال وسقت منه المريض وقد بدأت تدب في أوصاله، ثم مضت إلى ديرها وهي تلهج بحمد الله والعذراء سيدة الوردية.

وكان شفاءه كاملا وعاش حتى بعد وفاة الأم ماري الفونسين بأربع سنين، وتوفي عام 1931.

 

 

 

ذيل الأفعى

 

كانت الخوارق السابقة ثمرة إيمان راسخ بالله وحياة محورها الصلاة والتأمل. ونتيجة لذلك ثارت ثائرة إبليس وعزم على أن يعيث في المشروع فساداً. فهو كما وصفه القديس بطرس "كالأسد الزائر يرود في طلب فريسة له." ولكن قدرة الرب تقيده ولا تأذن له بهدم مشروعات أحبائه وأصفيائه. وكل ما يستطيع فعله إنما هو استمالتهم إلى الشر عن بعد أو على الأقل إزعاجهم وإدخال الفزع إلى روعهم، تعبيراً عن حقده وغيظه.

والتاريخ المسيحي حافل بهذه التدخلات الشيطانية التي اعتادها القديسون ولم يعودوا يكترثون لها. ويقدم لنا القرن التاسع عشر أمثولة حية في شخص القديس "يوحنا فياني" خوري قرية ارس في فرنسا.

وتروي الأم ماري الفونسين خبر إحدى هذه المكائد الشيطانية التي ألقت الفزع في قلوب الفتيات زمناً طويلاً ويشهد على صحتها شهود عيان. بعد ظهر أحد الأيام كانت الأم ماري الفونسين جالسة برفقة بعض الفتيات والنساء على سطح البيت وهن منهمكات في غربلة القمح. ووفقاً للعادة المتبعة أثناء العمل كن يلين السبحة. وما أن انتهين من أسرار الفرح حتى سمعن ضجيجاً غريباً انبعث من البئر المجاور وعلا الأصوات الأخرى كلها. ولم يتمكن من مواصلة الصلاة. ومن شدة الفزع رسم الجميع إشارة الصليب وأخذن يرددن اسمي يسوع ومريم. لكن الضجيج لم يضمحل. فتقدمت أجراً الفتيات إلى البئر وفتحت بابها وإذا بحية رقطاء عريضة الرأس ضخمة الجسم تتخبط وتتلوى محدثة صخباً شديداً. وكان ظهر الحية مغطى بقشور حادة.

وعلا صراخ الفتيات وهرع الجيران والعمال الذين كانوا يشتغلون في تلك الناحية متسلحين بالخطاطيف وراحوا يبذلون جهدهم في القبض على الحية وإخراجها من البئر ولكنهم باؤا بالخيبة.

وانتشر الخبر بسرعة البرق فتألب الفضوليون من كل حدب وصوب. ثم أقبلت راهبات المحبة من المستشفى الفرنسي القريب وأعقبهن كاهن سالسي أحضر بطرشيلا ومنضجة. وما كاد ينهي صلاة "التعزيم" وينضح البئر بالماء المقدس حتى كفّ الضجيج وغاب الحيوان الضخم عن البصر وكأن شيئاً لم يحدث، وساد الاعتقاد أنه غاص في أعماق البئر.

وفي اليوم التالي كانت مياه البئر صافيه عذبه كصفائها وعذوبتها المعتادين ولا أثر فيها للأفعى. وشربت منها الراهبات والطالبات دون أن يصبن بأذى. ولما أقبل الخريف وقد نزفت مياه البئر، تقرر غسلها وتنظيفها استعداداً للموسم المقبل. وآنذاك لم يجد العمال للحية أثراً. وتيقنوا أن إبليس لم يكن يريد ألا نفث الحقد المتوغر في صدره. وإذ لم يقدر على الأذى مباشرة اكتفى بتكدير صفاء ذلك البيت الذي اختصته العذراء بالحماية والمنعة.

وتكررت فيما بعد حوادث مماثله لم تسفر إلا عن إلقاء الخوف في روع أهل البيت زمناً قصيراً. ففي الساعات الأولى من إحدى الليالي همّت الأم ماري الفونسين بنقع الثياب تمهيداً لغسلها في اليوم التالي. وكانت الطالبات قد آوين إلى الفراش. فأيقظت إحداهن لمساعدتها.

وفي تلك اللحظة سمعت جلبة أصوات مزعجة هزت كل أرجاء البيت. وإذا بحجارة لا يحصى عددها تنهال على الأبواب والنوافذ والجدران الخارجية. فصرخت الأخت مارتينا مذعورة: "ماذا سيحث لنا؟"

فأجابت الرئيسة بهدوء:"حسبنا أن نستجير بالعذراء القديسة".

وشرعن تلاوة سبحتها. فانتهى قذف الحجارة التي لحسن الحظ، لم تجرح أحدا ولم تحدث أي ضرر. وفي اليوم التالي جمعت منها الأخت مارتينا كمية كبيرة.

ومجمل القول أن دير ألأم ماري الفونسين كان واحة صلاة وخير وبركة. وقد بقيت الراهبة قائمة على خدمته حتى سنة 1909. وطيلة تلك المدة لم تتوفق في إيجاد مقر ثابت بل كانت تتنقل من مأوى إلى آخر بحثاً عن الأنسب والأفضل. وكانت تعد نفسها محظوظة بأن تقتدي بالعائلة المقدسة التي أتت بيت لحم ليلة الميلاد، وبدون جدوى قرعت باب الفندق حتى أنها في النهاية لم تجد لولادة ابن الله المتجسد مكاناً سوى مغارة مهجورة.

ولما استدعيت إلى الدير الرئيسي، كانت لا تزال تبحث عن بيت جديد تنتقل إليه ويتيماتها.

 

اختلاء وتأمل

 

أنفقت الأم ماري الفونسين في مدينة المهد خمس عشرة سنه زاخرة بالنشاط والحيوية. وكانت مسؤولية المشروع كلها تقع على عاتقها. فاحتاجت إلى قسط من الراحة لاسيما وقد تقدمت بها السن ودخلت العقد السابع من عمرها وفارقتها قوة الشباب.

ومن ناحية أخرى تزايد عدد الدعوات الرهبانية وصار يستطاع استبدال بعض الراهبات ببعضهن عند الحاجة. ثم أن الأم حنة التي أعيد انتخابها للرئاسة مرة أخرى، قبل سنتين، اعتقدت أن خير مكان لإقامة أختها إنما هو الدير الرئيسي حيث تجد متسعاً من الوقت للتفرغ بكامل حريتها للاختلاء والصلاة فتحقق بذلك أعز رغباتها وتخدم الجمعية بنصائحها الثمينة وآرائها السديدة.

وفيما مضى كانت الأم حنة تلاحظ دائماً الاتفاق الكامل في الآراء والأفكار بين الأم ماري الفونسين وبين المؤسس الراحل. ولمست في ذلك تدبيراً إلهياً مسبقاً. فأخذ منها العجب كل مأخذ ولكن لم تتوصل إلى اكتناه السبب الحقيقي. وقدّرت أن وجود أختها بقربها سيكون امتداداً لوجود الأب يوسف نفسة ، وأنه سيجنبها أخطاء كثيرة. ولله درّ هذه الفكرة ما كان أصوبها!

أجل، لقد كانت الأم ماري الفونسين، رغم ميلها الطبيعي إلى الاختلاء والصمت عوناً قيماً في أحلك الظروف وأشدها عسراً طيلة السنوات الثماني التي قضتها في القدس.

 

النعمة تصلح الطبيعة البشرية وتكملها

 

هكذا يقول الفيلسوف العلامة القديس توما الاكويني ومصداق مقوله تواضع الأم ماري الفونسين الذي كان يعود إلى طبيعتها والى نعمة الرب معاً.

وقد مرّ بنا أن ابنه دانيل غطاس البكر كانت منذ نعومة أظفارها شديدة الخجل والحياء. ويعزى ذلك إلى حول واضح كان في عينيها حرمت بسببه نعمة الجمال الذي تتمناه كل فتاه. وكانت مرهفة الإحساس تلاحظ تأثير شكلها الخارجي في الناس، لاسيما الذين لا يعرفونها. وفي بادئ الأمر كان ذلك الحول يشعرها بالنقص أمام زميلاتها. ولكنها أخذت تقتنع تدريجياً، بفعل نعمة الرب، بأن الجمال الحقيقي هو الذي يزين نفس الإنسان لا منظره الخارجي وان كل جمال حسي سيؤول إلى الزوال لا محالة، وتغلبت على عقدتها وتحول شعورها بمرارة الحرمان إلى اكتشاف قيمة التواضع.

والحق أن الراهبة كانت تكره الظهور والغرور ولا ترغب إلا في العمل الصامت المجدي. وصار اكتراث الناس لها أو عدمه في نظرها سواء بسواء. ولذا نستطيع القول أن طبيعتها من ناحية حببت إليها فضيلة التواضع واتت نعمة الرب لتكملها في نفس الاتجاه.

ومن المؤسف أن زميلاتها، حديثات السن والعهد بالرهبانية لم يحترمن شعورها وإحساسها دائما بل كن يسخرن منها ومن منظر عينيها.

وذات مرة تجرأت عليها إحدى المبتدئات وسخرت منها أمام معلمتها قائلة: "ما أقبح وجهها!" وإذا بها على مثال معلمها الإلهي تقابل السيئة بالحسنى والاها نه بالبشاشة والصبر. ووجدت من بين الراهبات من أسأن حتى تفسير ابتسامتها واتخذنها أدانه صامته لسلوكهن. ثم أن بعضهن كن يجدن لذة في استفزازها وإذلالها، دون سبب. ولله درها كم احتملت وقاست في حياتها.

ولكن يجب الإشارة إلى أن تلك المعاملة القاسية لم تعاملها بها سوى بعض الأخوات ممن كان يستهويهن المظهر أكثر من الجوهر. أما الأغلبية الساحقة ولاسيما اللواتي عرفنها عن كثب فقد كن يحترمن ويجللن هذه الراهبة الوقور التي لم تكن الابتسامة تفارق ثغرها. وما لبثن أن لاحظن أن وجهها المفتقر إلى الجمال الحسي كان ذا اشراقة روحية صافية من النوع الذي لا يتمتع به سوى القديسين الذين يستمدون قبساً من نور الله. وقد ثبث منذ الظهورات الأولى أن شيئاً من جمال نفسها الداخلي أخذ ينعكس على وجهها وجعل طالباتها في بيت لحم ينجذبن إليها انجذاباً عفوياً.

وأصبحت هي نفسها في حيرة من أمر النور الذي كان ينفجر في داخلها وينعكس على وجهها ولا سيما في عينيها. وخشيت أن يفضح سر علاقاتها الوثيقة بالعذراء. لكن شيئاً من مخاوفها لم يتم. بل كانت تلك الموهبة الفائقة الطبيعة تؤثر فيمن حولها وتقربهم إلى الله. ومنذئذ وحيثما حلت بغية إنشاء المشروعات الجديدة كانت تترك وراءها آثاراً من روحانيتها العابقة بشذى فضائلها ولاسيما محبتها لله وللعذراء والقريب.

وفي أيام كهولتها ورغم ضعف تلك الاشراقة التي أشرنا إليها كانت توحي إلى كل من يدنو منها بأن الله حاضر فيها وأنها هي حاضرة فيه. وان بعض الراهبات اللواتي عرفن هذه الأم وما زلن على قيد الحياة يؤكدن أن هالة خافته من النور كانت ترتسم على وجهها فتضفي عليه مسحة من جمال أخاذ كان يسمو بهن إلى الله ويعوض عن ذلك الجمال الدنيوي الذي حرمتها الطبيعة إياه.

وبعد اعتزالها حياة العمل والنشاط أضحت نموذجاً للحياة التأملية. فلم تكن السبحة تفارق يدها. وكان التأمل في أسرارها غذاءها الروحي. وهمست مرة في أذن أختها الأم حنه قائلة: " ليتك ترين ما أرى! غير أنها لم تكمل حديثها مخافة أن تبوح بسرها.

وحاولت بكل وسعها استمالة الراهبات إلى تلاوة السبحة الدائمة وفقاً لرغبة العذراء الصريحة. ولكنها لم تجرؤ على كشف النقاب عن مصدر الاقتراح بجلاء بل اكتفت بأن تقول لأختها بكل بساطة:

"ستسر والدة الإله المحبوبة إذا أقدمنا على تلاوة السبحة الدائمة في الدير". وقوبلت الفكرة بالرفض مع الاعتذار لانشغال الراهبات المستمر وقلة عددهن أما هي فلم تكن تلح أكثر من ذلك بل ظلت تحاول التعويض بنفسها عن ذلك الفراغ، بصلاة غير منقطعة.

 

أعجوبة جديدة

 

وجاءت حادثة أخرى توضح قدرة الوردية من جديد. وكان ذلك في الثلاثين من كانون الأول لعام 1909 أي بعد رجوعها إلى الدير الرئيسي بمدة قصيرة.

كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساء وهي مدة الاستراحة والراهبات مجتمعات في البهو يتجاذبن أطراف الحديث وينجزن بعض الأشغال اليدوية البسيطة. وتطرقت إحداهن إلى ما قرأته في كتاب روحي حول ظهورات العذراء.وذكرت بعض النعم الخارقة التي جادت بها على مختاريها وأصفيائها. وإذا بالأم لويز أبو صوان تقاطعها قائلة:

"حتى الآن لم تنعم الأم السماوية بشيء مماثل على بناتها في رهبانية الوردية." وكانت الأم الفونسين، كاتمة سر العذراء، تنصت للحديث وعلى شفتيها ابتسامة.

وإنهن لعلى تلك الحال إذ دخلت عليهن طالبة اسمها "حكمة معمر" وهي تصيح قائلة: "أيتها الرئيسة، أسرعي، مريم عازر ألقت نفسها في البئر." وكانت مريم هذه فتاة بروتستنتية، تناهز العشرين من العمر. وبالرغم من أنها لم تقبل سر العماد المقدس بعد، كانت ترغب في دخول الرهبانية.

ولدى سماع الاستغاثة أسرعت إلى مكان الحادث الطالبة لويز عرنيطة التي أصبحت فيما بعد الأخت اغسطين لتتحقق الأمر بنفسها. وعادت بعد لحظات لاهثة مضطربة لتؤكد صحة النبأ الذي شرعت الطالبة "حكمة" في سرده تفصيلاً، فقالت بصوت متلجلج:

"اغتاظت مريم من زميلة لها استأثرت وحدها بود معلمتها. ولشدة غيظها قررت أن تتخلص من الحياة. وسألتني أن أعينها في رفع حمل ما. واقتادتني إلى المقصورة التي فيها البئر. وإذا بها تفتح فوهتها وتتدلى منها. وودعتني وهي واضعة يديها على الحافة وطلبت إلى أن أبلغ سلامها إلى المعلمة. وقالت: يجب أن أموت هنا. ثم هوت واختفت؟"

استبد بالجميع فزع شديد. وأسرعت الراهبات إلى مكان الحادث وعلى رأسهن الأم ماري الفونسين التي كان حزنها لهلاك نفس الفتاة أكثر من حزنها لهلاك جسدها. ولما بلغت المكان انحنت على فوّهة البئر وصاحت: " مريم، مريم، اندمي واستغفري الله."

أما الأم حنة فصرخت: " احضرن حبلاَ بسرعة".

فاعترضت أختها قائلة: " لا بل احضرن السبحة. وألقت بسبحتها في البئر.

وأحضر حبل غسيل فدلته الأم حنة في البئر وصاحت بالغريقة كي تمسك به. وما هي إلا لحظات حتى اهتز الحبل، فنسلته "الأخت أنجليك" والطالبة "لويز عرنيطة" بكل ما أوتيتا من قوة. فبرزت الغريقة وهي ترتعش من شدة البرد. لكن الحبل أفلت من بين يديها فسقطت في الماء. أرسلت الرئيسة تستنجد بعائلة جوزيف دانيل التي كانت تقطن في جوار الدير، وأخذت إحداهن تقرع جرس الدير بعنف ويأس. فتنبه السيد جوزيف إلى الرنين الغريب فخرج من بيته فسمع الراهبة تستنجد به وتسأله حبلا. فهم مقصدها فأحضر بسرعة حبلاً متينا فثناه ليضاعف قوته وألقاه في البئر. فما لبث أن أحس أن الغريقة تتشبث به، فأخذ يسحب الحبل بسرعة وبدون ترو فصدم رأس الفتاة بسقف البئر.وأطلت عليهن أخيراً وبيدها الحبل والسبحة. وكانت قد قضت في الماء ساعة كاملة.

وسرعان ما امسك الرجل بالفتاة وقلبها على وجهها لتقذف الماء الذي في جوفها. وما كان أشد دهشة الحاضرين عندما رأوا أن نقطة واحدة لم تسل من فمها وأن جسمها يبدو قطعة من فولاذ.

وضعت الفتاة على الأرض ريثما يأتي الكاهن والطبيب اللذان استدعيا على جناح السرعة. ولما شاهدها الدكتور مانشيني أحد أطباء المستشفى الايطالي، صرح بأن نجاتها تمت بأعجوبة، وروى قصة فتاة سقطت في البئر وتوفيت في أقل من خمس دقائق. فكيف يمكن أن تكون حال من مكثت في الماء البارد ساعة كاملة دون أن تبتلع نقطة واحدة؟

ثم روت مريم عازر للام اغسطين كل ما جرى لها في البئر قالت:

"عندما ألقوا إلي بالسبحة تمكنت من الإمساك بها لأن البئر أضحت مضيئة وشاهدت للحال سيدة متسربلة بثوب أبيض أخذتني ووضعتني على عمود فوق الماء".

ولم يكن هناك عمود كما تزعم الفتاة. إنما كان ذلك إشارة إلى السند العجيب الذي ارتكزت عليه الغريقة طيلة مدة بقائها في الماء.

ولوحظ للحال أن مريم قد فقدت البصر من جراء الصدمة العنيفة التي إصابتها في رأسها لدى اصطدامها بسقف البئر. وعبثا حاول الطبيب شفاءها من عماها. ولكن في الثاني من شباط الموافق عيد تقدمة العذراء إلى الهيكل، أي بعد الحادثة بثلاثة أيام، استعادت مريم بصرها فجأة في بداية القداس.

لم تجحد الفتاة النعمة العظيمة التي نالتها من العذراء فعادت تطلب بإلحاح أشد من ذي قبل دخول رهبانية الوردية، فلقيت المسؤولات اعتراضا شديداً فما كان من الأم ماري الفونسين إلا أن لجأت إلى غبطة البطريرك كماسي (Camassei) وأخبرته بقصة الفتاة.

فأذن لها بدخول دير الابتداء ثم أصبحت راهبة للوردية. وهي ما تزال حتى اليوم على قيد الحياة وسعيدة لانتمائها إلى هذه المؤسسة المريمية.

وليس من الصعب أن نتصور الأثر العظيم الذي أحدثته تلك النعم الخارقة الناجمة عن قدرة الوردية في نفس الأم ماري الفونسين ولذا ظلت ترفع اصدق آيات الشكر إلى العذراء القديسة دون انقطاع ولم تكن تدعوها إلا باسم "أمي الحبيبة".

 

بين الأرض والسماء

 

ربما يدور في خلدنا أن الأم ماري الفونسين أصبحت عاجزة عن العمل واعتزلت حياة النشاط والجد نهائياً. غير إن ذلك لم يكن فقبل أن تنال ثوابها الأبدي، بقي عليها مهمة أخرى وأخيرة.

 

عود على بدء

 

عام 1910 امتلكت الرهبانية في عين كارم، منزل دانيل غطاس الذي أومأنا إليه في مستهل الكتاب. وهو يقع في محاذاة كنيسة الزيارة.

وقررت المسؤولات عام 1917 تحويله إلى ميتم، وعهد بمهمة انشائة إلى الأم ماري الفونسين فغادرت القدس وهي في الرابعة والسبعين من العمر عائدة إلى منزلها الريفي القديم حيث كان يطيب لها قضاء العطلة الصيفية أثناء طفولتها وحداثتها. ولم تكن في شيخوختها أقل سعادة من السابق. فمضت إلى هنالك راضية كل الرضى لأنها ستكرس في 1لك البيت الغالي قواها الأخيرة لخدمة المحبة. ولكن صحتها، للأسف بدأت تضعف وتخور ولم تعد تطاوعها على العمل.

وفي تلك السنة أعفيت الأم حنة من مسؤوليتها وانتخبت مكانها الأم وردة معمر. فارتأت الرئيسة السابقة الالتحاق بأختها لتضطلع بمسؤولة الميتم عوضاً منها.

وهكذا أتيح الأم ماري الفونسين العودة إلى حياتها التأملية، دون أن تكف عن القيام ببعض المهمات البسيطة، فكانت على أتم الاستعداد لتأدية أية خدمة تكلها إليها أخواتها الراهبات. أما ما فضل من وقتها فكانت تقضية في الكنيسة.

واعتاد الباحث عنها أن يلقاها قائمة تصلي هناك. ولدى سماعها لأي نداء كانت تبرح مكانها بسرعة مفارقة الرب من أجل الرب.

تاركة عبادته من اجل خدمته في شخص القريب. وبعد تأدية ما عليها، سرعان ما كانت تحتل مكانها السابق أمام القربان الأقداس.

ولم يرق ذلك الأخت كروبيم، التي كانت تستكثر ساعات اعتكاف زميلتها على الصلاة.وبعكس ما يوحي به اسمها، لم تكن تلك الراهبة الشابة تتمتع بروح تأملية. وكانت تعتقد أن تنبيه الأم حنة إلى ذلك الأمر ضروري. ولما فعلت عاجلتها الرئيسة بهذا الجواب:" دعيها تصلي كما يطيب لها". وكانت تجل في أختها تلك العبادة الراسخة وتظن أنها توصلت إلى سبر أعماق نفسها سبرا كافيا، بينما كانت في حقيقة الأمر تجهل كل شيء عن سرها المكتوم.

ولم تنسى الأم ماري الفونسين أن العذراء أوعزت إليها يوماً بقولها:

" أريد أن تتلى في الدير الوردية الدائمة نهاراً وليلاً".

وكان صدى هذه الكلمات لا يزال يتردد في أعماقها. لذا كانت تنهض عند منصف الليل وتمضي إلى الكنيسة لتحقق ما شاهدت في الرؤيا. وكثيراً ما غفلت عن الوقت ولثبت دائبة على الصلاة، حتى انبلاج الصبح.

 

عودة الظواهر الخارقة

 

ورافقت صلواتها الليلية ظواهر فائقة للطبيعة. وكنا قد ذكرنا آنفاً أن الله عز وجل قد انعم على أمته الوفية، سنة 1875، سنة الرؤى والإيحاءات، بموهبة خاصة مكنتها في مدة محدودة من الكشف عن الحالة الروحية لمن تصلي لأجلهم ومعرفة عما سوف يحدث لهم.

ولم تنقطع مثل تلك الظواهر الخارقة انقطاعاً كاملا. وهاكم على سبيل المثال الشهادة التي أدلت بها الأخت كوليت:

 " أثناء إقامتي مع الأخت ماري الفونسين في بيت لحم، شاهدتها ذات ليلة إلى الطابق الأرضي لتصلي أمام تمثال العذراء.

وأبصرت نوراً ساطعاً يضيء كل أرجاء الغرفة. فأصابني للحال هلع شديد. وبعد أن أنهت صلاتها وعادت إلى سريرها قلت لها: " انك أدخلت الفزع في قلبي. من أين آتى ذلك النور الذي ملآ المكان؟ فكتمت الحقيقة عني وأجابت:" أن النور الذي رأيته إنما يصدر عن قنديل العذراء".

وفي عين كارم تكررت الظاهرة نفسها عدة مرات.

وتذكر الأخت مارتينا أنها أرسلت إلى هناك ذات مرة لموازرة الراهبات .وطلبت منها الأم حنة أن تنهض في إحدى الليالي وتمضي إلى منام الطالبات لتطلع على أحوالهن.ولما فتحت باب غرفتها أذابها تلمح كتلة من نور تسير نحو الكنيسة وتضيء كل ما حولها.فتخيل إليها أنها ترى شبحا. فصرخت من شدة الخوف وأغلقت الباب بقوة.وفي اليوم التالي بادرت إلى اطلاع الأم حنة على مغامراتها الليلية .فطمأنتها الرئيسة قائلة : أنها الأم ماري الفونسين .تذهب إلى الكنيسة كل ليلة كي تصلي .وإذ كانت راهباتنا تجهل الحوار الذي دار حولها .مضت بدورها إلى الأم حنة وتوسلت إليها بالأخت مارتين اعتناء خاصاّ لأنها حسب معرفتها وخبرتها بها شديدة الخوف أثناء الليل .وأكثر من مرة كانت الراهبات شاهدات عيان لحوادث مماثلة. وتؤكد الأخت ماري لورنس أنها ذهبت يوما لزيارة الأم ماري الفونسين  وهي طريحة الفراش . ولم يرافقها إليها احد.وكانت مريضة وحدها في الغرفة . وبعد خروجها وقفت قرب النافذة على بعد بعض خطوات معدودات . وما هي إلا لحظات حتى شاهدت راهبة مجهولة تخرج من الغرفة التي كانت فيها . فبلغ منها الدهش كل مبلغ . وعادت إدراجها لتسأل المريضة عن هوية تلك الزائرة. فأجابتها:" كنت وحدي ولم أر أحداً".

وكانت جميع راهبات ذلك الدير يشعرن بوجود سر دفين ويعتقدون أن صومعة الأم مار الفونسين كنيسة مصغرة. ثم أن هذه الراهبة كانت تتمتع، لاسيما في أواخر حياتها، بموهبة معرفة المستقبل وقراءة خفايا القلوب. فقبيل وفاتها، استدعت طالبة تدعى " لويز عبد" وأوصتها بالسهر على صحة الأم حنة وأضافت:" سيبلوها المرض بعد موتي. وستنجو منه في المرة الأولى. أما في الثانية فستموت." وقد جرت الأمور حسبما أنبأت.

وكانت أيضا على اتصال بالعالم الأخر، لاسيما بالنفوس المطهرية. وكثيرا ما كانت تصلي وتضحي لأجلها. وقد وجدت عين كارم وثيقة ترقى إلى سنة 1919 تثبت انتماءها إلى رابطة " مونليجون" لإغاثة النفوس المطهرية. وعندما توفي شقيقها الكاهن الأب انطون دانيل في التاسع من شباط 1925، كانت طريحة الفراش فلم تتمكن من مرافقة أختها لزيارته ومؤاساته في ساعاته الأخيرة. لكنها عرفت اللحظة التي اسلم فيها الروح. ولما أخذت الأم حنة تبدي أسفها لموته، أخذت هي تعزيها قائلة:" لم تبكين؟ قد أبصرت انطون في قلب المسيح. انه في السماء".

 

نداء الرب

 

استفحل مرض الأم ماري الفونسين وأخذت صحتها تزداد سوءاًًًَ يوماً بعد يوم. وفي التاسع من آذار عام 1927 أصيبت بنكسة قوية أيأست الطبيب من شفائها. وراحت الراهبات يتناوبن السهر عليها وهن معجبات بصبرها الشديد المذهل الذي كان ثمرة استسلامها الدائم لله. ولم تكن تقطع صلاة السبحة إلا لتردد اسمي يسوع ومريم. وفي الأيام الأخيرة من حياتها كانت تواظب على الاعتراف اليومي حرصاً منها على البقاء في أتم نقاوة.

وعرفت مسبقاً في أي يوم وفي أية ساعة ستنقل إلى الأبدية. وفي الساعة العاشرة من اليوم الرابع والعشرين من آذار، أسرت إلى الأخت كريستين بقولها:

" أتسمعين أحدا يطرق الباب؟ انه القديس باسكال بايلون. لقد كنت شديدة التعبد والإكرام له وكنت احرص على تلاوة " السلام الملائكي" ثلاث مرات كل يوم، لينبهني قبل موعد موتي بثلاثة أيام فاستعد لملاقاة الرب على أفضل وجه، وقد أتى أمس وأمس الأول في الساعة ذاتها".

وفي اليوم التالي الموافق عيد البشارة، قالت لأختها، وقد قضت سواد الليل إلى جانبها:" لا داعي لبقائك الآن. وأولى بك أن تمضي لحضور القداس والدعاء لأجلي. وحسبي أن تبقي بقربي طالبة واحدة لأني لن أموت قبل الساعة العاشرة". فمضت الأم حنة إلى الكنيسة تاركة المحتضرة تحت إشراف ريجينا وإحدى الطالبات.

ولدى عودة الراهبات، استدعت المريضة أختها وقالت لها: " هلمي نودع أحدانا الأخرى. فلم يبق أمامنا سوى ثلاث ساعات نقضيها معا. وبعد قليل شدت أختها على يدها وأضافت:" دنت ساعتي الأخيرة. فلنتل الوردية مرة أخرى " فانضمت إليهما ريجينا، وأخذت الأم حنة تتلو القسم الأول من " السلام" وتجيب أختاها... وواصلن الصلاة حتى السر الرابع عشر الذي يذكر انتقال العذراء إلى السماء. وفي آخر بيت منه، كانت المحتضرة لا تزال تنطق بوضوح :" صلي لأجلنا- نحن الخطاة – الآن- وفي ساعة موتنا- ..."

وكانت هذه الكلمات آخر ما نطقت به. وما لبثت أن أسلمت الروح. وبذلك قد اختتمت حياتها الأرضية بصلاة إلى مريم بعد أن عاشت حياة "مريمية" تحت أنظار أمها السماوية. وتعلمنا الحياة أن أخر صفحة من عمر الإنسان تنطوي على غرار الصفحات السابقة، لان الموت صورة عن الحياة، وان بني البشر يموتون كما كانوا يحيون.

 

الوصية

 

وقبل وفاتها كانت الأم ماري الفونسين قد دونت بعض كلمات على قصاصة من الورق وجدت بعد مماتها وكانت وصيتها الروحية: " باسم الأب والابن والروح القدس. آمين. ارحمني يا الله كعظيم رحمتك، وكمثل كثرة رأفتك امح مأثمي. يا نفسي، استودعي ذاتك يدي مريم سلطانة الوردية أمك. واتحدي بقلب يسوع عروسك إلى دهر الدهور. آمين.

إني أموت مسيحية وراهبة وردية حقيقية. وأرجو مغفرة خطاياي باستحقاق دم يسوع الثمين وبشفاعة أمي سلطانة الوردية المقدسة والقديس يوسف. إني اتكل على صلوات أخواتي في الرهبانية وعلى الثلاثة والثلاثين قداسا التي ستقدم بإذن الرؤساء لراحة نفسي، باسم يسوع ومريم. آمين".

 

الأخت ماري الفونسين

راهبة الوردية المقدسة

 

وسجي جثمانها في ردهة عين كارم. واتت أخواتها الراهبات فوجاً فوجاً ليصلين بقربها ولإلقاء نظرة أخيرة على تلك التي نذرت لهن قلبها وروحها حتى النسمة الأخيرة.

وكان الجميع يقرأون على ملامح وجهها سمات الوداعة والهدوء حتى إن النائبة العامة الأم انونسيانا التي أتت بعد الظهر للصلاة لراحة روحها ولتوديعها، لم تتمالك عن أن تصرخ تلقائياً:" ما أجملها! كأنها ليست بالأم ماري الفونسين!" وفي اليوم التالي نقل جثمانها إلى القدس ودفنت في كنيسة الوردية.

 

ساعة الحقيقة

 

قبل وفاتها بأيام معدودات، اغتنمت الأم ماري الفونسين فرصة انفرادها بالأم حنة فأسرت إليها قائلة:" بعد موتي، اذهبي إلى مكان كذا فتجدي دفترين بخط يدي. خذيهما وسلميهما إلى البطريرك برلسينا"
عثرت الأم حنة على الدفترين وكان أولهما المتضمن راوية الظهورات مختوما بالشمع الأحمر. فتناولتهما وسلمتهما للحال إلى المنسنيور مرقص، موصية إياه بان يبلغ البطريرك الأمانة. وهكذا نفذت رغبة أختها الراحلة بحذافيرها.

ولجهل غبطة البطريرك باللغة العربية، طلب إلى الأم اغسطين ترجمة تلك الصفحات، ثم أمر بإعادة المخطوطين الأصلين إلى الرئيسة العامة.

وما كادت الراهبات ولاسيما الأم حنة يطلعن على محتوياتهما حتى حصلت المفاجأة. لقد حان أخيراً للحقيقة أن تسطع كالشمس وتبدد الضباب الكثيف الذي كان يحجب شخصية الأم ماري الفونسين، فقدر الجميع آنذاك فداحة الخطب الذي نزل بالجمعية لوفاة تلك الراهبة الوضعية التي بقيت محتجبة عن عيون طيلة تلك المدة.

وظنت الأم حنة، أثناء قراءتها المتكررة لمذكرات أختها، أنها في حلم غريب وتبينت لها أمور عديدة في غفلة عنها. فهي إذا مدينة لها بالدعوة الرهبانية وبنعم أخرى لا تحصى ولا تعد، كانت ثمرة صلوات الفقيدة الراحلة وتضحياتها. آنذاك فقط أدركت الراهبات لماذا كان المؤسس الفاضل يجل الأم ماري الفونسين ويصغي باحترام إلى أرائها السديدة فيما يختص بالرهبانية، ووقفن على أسباب الانسجام الكامل بين أفكارهما وشعورهما وروحهما.

أما تمثال سيدة الوردية المتوج بإكليل من نجوم الذي وضعه المؤسس في حفاوة بالغة فوق الدرج المؤدي إلى دار الابتداء، فلم يبق أمره سرا على احد. إذا وجد في الدفتر الأول المختوم بالشمع الأحمر رسم يمثل العذراء كما ظهرت للرائية. ورغم أن الراهبة لم تكن تجيد فن الرسم إلا أنها أذعنت لمرشدها الذي طلب إليها رسم تلك الصورة. ثم عرضها على احد المثالين ليصنع لها تمثالاً مشابهاً . وكان يحيطه باحترام خاص. وكلما سألته الراهبات عن أصل التمثال كان يلجا إلى الصمت أو يتحول عن الموضوع فيأخذ في حث الراهبات على المزيد من إجلال سلطانة الوردية.

واهم مما سبق أن تلك الصفحات بينت لهن عمق جذور الرهبانية وتاريخها العريق. فمؤسسها الحقيقي ليس الأب يوسف ولا الأم ماري الفونسين إنما العذراء نفسها. ولم يكن ذلك سوى أداتين طيعتين في يد والدة الإله القديسة. وإذا ما قورن بينهما، اتضح أن الأم ماري الفونسين، رغم صمتها واحتجابها عن الأنظار، أعظمهما شانا وارفعهما منزلة لأنها هي التي تسلمت من العذراء تراث المؤسسة الروحي ونعني به اسمها وأهدافها القصوى وقوانينها وروحانيتها مما جعلها تتبوأ مكانة مرموقة بين جميع الرهبانيات.

وتذكرت الأم حنة آنذاك الكلمات التي زل بها لسان أختها يوماً حين قالت لها:" آه لو كنت ترين ما أرى!" ولم يتسن لها فهمها في حينها، كما فطنت إلى قولها لها في مناسبة أخرى:" ما اشد ما سيكون فرح والدة الإله المحبوبة لو أقدمنا على تلاوة الوردية الدائمة في الدير!".

وها هي الآن تلوم نفسها لأنها من فورها لم تستوضح معناها ولأنها في بادئ الأمر أضغاث أحلام وأماني مستحيلة تعكس تقوى الرهبة، بينما كانت في الواقع تعبيراً عن رغبة العذراء نفسها. فاستولت عليها الحيرة وتساءلت:" كيف تمكنت أختي من كتمان سرها حتى النهاية رغم جهلنا لتلك المثل العليا وتوانينا في أتباعها؟".

ولم يكن ارتباك سائر المسؤولات اقل من ارتباكها. لقد أدركن عظم المسؤولية الملقاة عليهن لفهم ذلك التراث الذي خلفته لهن الراهبة الراحلة. ولكن ما الحيلة الآن لفهمه فهماً تاما ولتطبيقه تطبيقا سليما؟ ووجدن الجواب الذي يقنع العقل ويريح الضمير. ذلك أن الفقيدة أوصت بتسليم المخطوطين إلى غبطة البطريرك فلا بد أيضاً من تسليمه زمام الأمور. فله ستعطى النعمة الحالية لتقرير ما سيترتب على ذلك الاكتشاف الجديد من نتائج ملموسة. وبذا القين المهمة على كاهله ووضعن مصير الجمعية بين يديه.

 

درب القداسة هو جرب الصليب

 

وأدت قراءة المخطوطين إلى اكتشاف آخر، ألقى على نفس الأم ماري الفونسين أضواء جديدة. صحيح أن معظم الراهبات وعلى رأسهن الأم حنة، كن دوماً معجبات بفضائلها لاسيما تقواها العجيبة، وممارستها البطولية للتواضع، ومحبتها للقريب رغم إساءاته المتكررة إليها. وهي بذلك تذكرنا بآية بولس الرسول :" المحبة تعذر كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء". ولكن بعد الاطلاع على مذكراتها الروحية استنارت أعماق نفسها وانجلى كل غموض. ثم أن ما شهد به الناس وفاتها من أقوال وأفعال جاء مطابقاً لما كانت قد عرفته عنها أخواتها. وبفضل هذا النور الجديد، اكتسبت مجموعة تلك الشهادات معناها الصحيح.

وبعد مراسيم تشييع جثمانها ودفنها، أدلت الأخت فرنشيسكا إلى الأم حنة بالشهادة التالية:

" كان لي الحظ أن أعيش ست سنوات في بيت لحم برفقة الأم ماري الفونسين. وتمكنت خلال المدة من الاطلاع على فضائها لاسيما فضيلة المحبة. واجزم باني لم اسمعها قط تطعن في صيت القريب. وقد أعجبت بصفتين أخريين هما: حبها للمساعدة وإكرامها لسيدة الوردية. ولم تكن تكف عن تلاوة السبحة كلما سنحت لها الفرصة لاسيما برفقة الصغار".

وتروي شاهدة عيان أخرى حادثة جرت لها في بيت لحم في عهد الأب " ليسيكي" الذي اشتهر بقسوته عليها، فحواها أنها كانت ذات يوم تصلي في الكنيسة وهي جالسة على الأرض كعادة عجائز  بيت لحم. وهذا أمر يشهد ببساطتها وسذاجتها غير المتناهيتين. لم يكن الأمر محظوراً أو مستهجنا، إلا أن الكاهن ما كاد يراها حتى أوسعها لو ما وتوبيخاً على مرأى ومسمع من جميع الحاضرين. ثم أوعز إليها بجدة أن تنتقل إلى المقعد المجاور. فما كان منها إلا أن أذعنت للأمر دون أن تفتح فاها بكلمة واحدة. أما الراهبة التي كانت ترافقها فقالت متحدية:

" لو كنت مكانك لعرفت ما أجيبه به. فكيف تصبرين على ملاحظته القاسية" فردت عليها بهدوء ووداعة: " إلا تعلمين أن علينا أن نشتري الجنة بالتواضع؟" وأكدت الأخت مريم الشويري أنها شاهدتها في موقف أخر مماثل فتعجبت من قوة احتمالها وضبطها للنفس.

ولدى سماع الأم حنة لكل هذه الروايات، تذكرت مبلغ ما كانت أختها تقاسيه جراء قسوة الأم روزالي وتعنتها المتواصل أثناء مدة الابتداء وخاصة سنة أصابتها بالحمى الصفراء، وأنها طيلة كل تلك المدة لم تشاهدها قط تتأفف أو تفقد الصبر، أو تحاول على الأقل الدفاع عن نفسها في وجه تلك التي أذاقتها صنوف الذل والهوان.

واخذ يمر في ذهن الأم حنة شريط طويل من الذكريات تعود إلى الثماني عشرة سنة التي قضتاها معا في القدس وعين كارم. وكانت دوما معجبة بتأهب أختها الدائم لتأدية مختلف الخدمات وصبرها على السهام الجارحة التي اعتادت أن ترشقها بها بعض الأخوات.والغريب أن الحقد لم يكن يعرف إلى نفسها سبيلا. بل كانت سرعان ما تصفح عن الإساءة وتقابلها بالحسنى وكأن شيئاً لم يحدث. كما كانت السباقة إلى تحية الراهبات دون أن تنظر مبادرة من أحداهن، رغم أنها كانت أكبرهن سنا.

وأدركت الأم حنة أن فلسفة ذلك السلوك تنبع من حياتها الروحية الراسخة ومن اتحادها الوثيق المستمر بيسوع وأمه القديسة. وخطر في بالها في نهاية المطاف سؤال جدير بالدراسة والتقييم وهو: " ماذا كان بعد ينقص أختها لتحقق الكمال الإنجيلي ولتبلغ قمة القداسة؟"

وقد وجدت قطعة بالية من الورق سجلت عليها الفقيدة بعض عبارات روحية هي الدرر الفريدة. ولما أمعن في قراءتها تبين أنها وصف رائع للمبادئ الأصلية التي اعتنقتها الأم ماري الفونسين طيلة حياتها فكانت كأنها تصور ذاتها بقلمها دون أن تشعر. وهاكم بعض هذه العبارات:

" يا يسوع، دعني أهيم في حبك".

" الحب قوي كالموت. الحب يجعلنا نقدر الفقر ونصبر على الجوع والبرد ونسر بالاهانة ونرضى بالمرض ونقاوم التجربة ونحتمل الاضطهاد. الحب يحثنا على مساعدة القريب في جميع احتياجاته".

" من يعش من الحب، فلا يترك واجباته التقوية وقت الجفاف الروحي بل يستطيع أن يقول مع الرسول:" من يفصلنا عن محبة المسيح؟"

" يا لتعزية النفس التي تجتذب قلوب الآخرين إلى محبة الله!".

" في محبة يسوع ومريم توجد السعادة والسلام والفرح الحقيقي ولاسيما الصبر والشجاعة والثبات".

" يجب أن نملك فضيلة عظيمة لكي نعطي منها للآخرين"

" الكفر بالذات يجلب النعم العظيمة كالرغبة في الصلاة المستمرة، ووداعة القلب والفرح الداخلي والاتضاع الحقيقي والاقتداء بمعلمنا الإلهي الذي عاش في الأماكن التي نعيش فيها".

" الحمد لله على هذه النعم التي لا نستحقها والتي لم تعط لنا لمنفعة شخصية بل لإشراك الآخرين فيها. يجب أن نسعى إلى القداسة وان نجذب إليها كل أخواتنا في المسيح".

 

من ثمارهم تعرفونهم

 

إن رهبانية الوردية المقبلة على الاحتفال بيوبيلها المئوي الأول. والشجرة تعرف من ثمارها. وها هي البذور الصغيرة التي ألقاها الأب يوسف طنوس في ارض القدس قبل مئة عام وفقاً لما أوحت به العذراء إلى الأم ماري الفونسين، تصبح اليوم شجرة باسقة، تمد أغصانها إلى مناطق شتى، وتحمل ثماراً شهية.

ففي مجال التعليم والتربية، تشرف الجمعية على مدارس كثيرة ذات مستويات مختلفة ابتداء من رياض الأطفال وانتهاء بالمراحل الثانوية والتدريب المهني للفتيات، وعلى الصعيد الإنساني تعمل الراهبات في خدمة المرضى في عيادات صحية ومستشفيات هامة.

ومن الناحية الراعوية تؤمن المؤسسة خدمة معظم إرساليات البطريركية اللاتينية. وتختص الوردية بالعالم العربي. وقد انتشرت في فلسطين والأردن ولبنان وتركزت مؤخراَ في دول الخليج العربي وفي مصر وسوريا. وبما أنها كانت قد أبصرت النور في أحضان البطريركية اللاتينية، فقد نذرت نفسها منذ البداية لخدمة إرسالياتها في ضفتي الأردن وفي الجليل. ولذا انطلق الفوج الأول عام 1885، وكان يضم تسع راهبات، إلى إرساليات القدس، نابلس، الزبابدة، بيرزيت، ويافا الجليل.

أما عدد الراهبات اللواتي يقمن اليوم بالخدمة نفسها، فقد بلغ مئة راهبة يعملن في مختلف المدن والقرى في تعليم الجيل الصاعد وخدمة الكنائس.

وفي ضفة الأردن الغربية، تخدم الراهبات الرعايا التالية: الزبابدة (منذ 1885) بيرزيت (منذ 1885)، بيت ساحور (1886)، جفنا (1895)، رفيديا (1907)، الطيبة (1908) عبود (1911)، بيت جالا ( 1956). أما فيالقدس القديمة فان الدير الأول الواقع بمحاذاة البطريركية والذي يحسب مهد الجمعية فقد تحول إلى مستوصف  خيري يهتم بمعالجة المرضى الفقراء.

وفي شرق الأردن عدد اكبر من الراهبات يخدمن الأهداف ذاتها في كل من إرساليات السلط ( منذ 1887)، الفحيص منذ (1887)، مادبا (1896)، الحصن (1902)، الكرك (1905)، السماكية ( 1913)، عجلون (1922) المصدر – عمان (1925)، الرميمين (1927)، المفرق (1944)، الزرقاء (1949)، اربد (1949)، ناعور (1951)، جبل عمان (1954)، عنجرة (1957) ، ماركا (1969) جبل اللويبدة ( 1970) حيث مقر النائب البطريركي وتقوم الراهبات هنا بخدمة الكنيسة والإشراف على مدرسة مهنية فيها فرع للخياطة وأخر للطباعة. وفي الجليل استقرت الراهبات في يافا الناصرة (1885) والرامة (1912) والرينة (1922) والجش (1957). وهذه الإرسالية الأخيرة تابعة لمطران صور الماروني الذي عهد إلى الراهبات بخدمة الكنيسة والإشراف على روضة الأطفال.

وفضلاً عن انتشار الرهبانية في الإرساليات المذكورة، فان نموها الكمي مكنها من افتتاح مشروعات أخرى مستقلة، منها ما هو ضمن حدود الأبرشية ومنها ما هو خارج عنها كما في لبنان وإمارات الخليج.

وفي حي ماميلا ( في القدس الجديدة) كان قد بدئ قبل وفاة المؤسس ببناء الدير الرئيسي القديم عام (1889) وشيدت فيه كنيسة للوردية هي غاية في الجمال والروعة، وانتهى بناؤها سنة 1937. وبسبب الظروف السياسية التي جزأت القدس عام 1948، اضطرت الرهبانية إلى التخلي عن مقرها الرئيسي في حي ماميلا وتحويله إلى ميتم ومدرسة ابتدائية.

واختير عوضاً عنه موقع أخر في بيت حنينا، على رابية جميلة تطل على طريق القدس- رام الله. وفي عام 1965 شيد عليها الدير الرئيسي الجديد للإشراف على كل مشروعات الجمعية. ويضم الدير معهدي الطلب والابتداء وبيتاً للراهبات المسنات، ولهن بجوارهن مدرسة هامة للبنات نمت وازدهرت بسرعة منذ عام 1970 وأصبحت اليوم ثانوية كاملة مقرها دير الآباء البولسيين السابق.

وحول دير بيت لحم إلى ميتم للفتيات بعد أن كان لمدة ما " دار الطلب" للجمعية. أما دير عين كارم فقد جعل ميتما للأولاد وهو يذكرنا بالأم ماري الفونسين في أيامها الأخيرة. وكانت الرهبانية قد تملكته عام 1910.

وفي اربد أنشأت الرهبانية عام 1949، مدرسة ابتدائية صارت فيما بعد ثانوية ناجحة تطورت وازدهرت حتى أصبحت تضم 1200 طالب وطالبة. وفيها قسم داخلي لطالبات الترهب. وبالقرب من الدير شيدت الراهبات مستشفى يحوي ثلاثين سريراً يختص بالجراحة والولادة. وأثناء كتابة هذه الصفحات، كان العمل قائماً على قدم وساق لبناء المستشفى الجديد على طريق اربد – الحصن. وسيضم 116 سريراً ومدرسة للتمريض. بوشر العمل سنة 1984 وأنشأت الراهبات أيضاً عيادات ومراكز أمومة وطفولة في القرى المجاورة.  

أما في المصدر ( عمان)، فإن كلية الراهبات التي أنشئت بمحاذاة الكلية البطريركية قد انتقلت عام 1969 إلى حي الشميساني حيث تم بناء مدرسة عصرية نموذجية تتسع لأكثر من 1700 طالبة. وفي المصادر اليوم مدرسة ابتدائية وإعدادية وأخرى مهنية لتعليم الخياطة والتفصيل والتدبير المنزلي والسكرتارية مع حضانة للأطفال وتدير الراهبات في جبل عمان مدرسة ابتدائية وإعدادية مزدهرة ابتدأ التدريس فيها عام 1953 وفيها اليوم روضة نموذجية للأطفال.

وفي لبنان، وبفضل سخاء الأب الياس بجاني، أنشأت الوردية عام 1930 أول دير لها في قرنه الحمراء يشتمل على مدرسة ابتدائية وإعدادية وقسم داخلي. وفي عام 1955 أنشأت الراهبات في سن الفيل ابتدائية وإعدادية قوامها 900 طالبة. أما القسم الثانوي فقد نقل عام 1973 إلى المنتزه (المنصورية) في ضواحي بيروت. وهناك فرغت الجمعية مؤخراً من تشييد بناء عصري ضخم يتسع لما يقارب 1500 طالبة. وفي سن الفيل أيضاً تشرف الراهبات ( منذ عام 1950) على مدرسة ( القلب الأقدس) للبنين وتضم 900 طالباً ومدرسة ( السيدة) للبنات التي قوامها 600 طالبة. ويعود تأسيس دير بيت مري إلى سنة 1939. وكان في بادئ الأمر مدرسة ابتدائية ذات قسم داخلي، وأصبح اليوم " دار طلب". وتذهب طالبات الرهبانية يومياً إلى " المنتزه" للدراسة في مدرسة الراهبات.

وفي جبيل تسلمت الراهبات بناء واسعا من السيدة عاقلة عقل وذلك عملاً بوصية أخيها المرحوم المطران بولس عقل فجعلته الجمعية مدرسة ابتدائية وإعدادية. وفي عام 1969 انتقلن إلى المقر الجديد الكائن شرق المدينة حيث انشأن روضة أطفال ومدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية قوامها 900 طالبة. وعلى اثر ذلك تحول بيت المطران عقل إلى دير ابتداء. إلا أن أحداث لبنان الأخيرة أدت إلى إغلاقه وتحويله إلى مركز اجتماعي.

وتملك الرهبانية في مزرعة كفر- ذبيان ديراً واسعاً يستخدم للرياضات الروحية والدورات الدراسية وأحياناً للراحة والاستجمام. وعلى غرار ما تقوم به الراهبات في إرساليات البطريركية اللاتينية،عهد اليهن بخدمة بعض القرى المارونية وهي شرتون ( 1962) والقعقور (1965) وعين دارا (1973) حيث يقمن بالتدريس وخدمة الكنيسة.

والرهبانية ذات أهداف مسكونية، لأنها تتطوع للخدمة حيث يدعوها واجب المحبة دون تمييز طائفي. فمنذ سنة 1973 وحتى سنة 1977 عملت عشر راهبات من الوردية ممرضات في مستشفى القديس جورج للروم الأرثوذكس في بيروت. وقد أخذن على عاتقهن إدارة ذلك المستشفى الضخم الذي يتسع لأكثر من 350 سريراً. وقمن بذلك العمل الإنساني بتفان لا نظير له وبروح مسكونية أصلية. وقد تركنه على اثر حوادث لبنان الأخيرة، وانتقلت الراهبات إلى مستشفى سيدة المعونات في جبيل وهو ملك للرهبانية المارونية اللبنانية. ويضم 100 سرير. وقد أشرفت الراهبات على إدارته منذ تأسيسه فقمن بتأثيثه وتسييره بإتقان.

وتهتم إدارة الجمعية بتأهيل الراهبات في مختلف فروع التخصص، فيرسلن إلى الجامعات العربية في لبنان والأردن والضفة الغربية ومصر، فرنسا ايطالية وبريطانيا. وتتخصص الراغبات في الدراسات الأكاديمية المختلفة وفي التمريض والفنون. وفي عاصمة الكثلكة، تملك الرهبانية مقراً هاماً كان الغرض منه خدمة مصالح الرهبانية وتمثيلها لدى الكرسي الرسولي بعد أن أصبحت جمعية حبريه على اثر مرسوم بابوي صدر عن مجمع الكنائس الشرقية في الرابع من آب 1959. ويصادف هذا التاريخ عيد القديس عبد الأحد، مؤسس الفرقة الرهبانية الكبيرة المعروفة باسم الدومنيكان، وقد اشتهرت في الماضي بالدفاع عن إكرام العذراء ونشر سبحتها بين صفوف المسيحيين. وتشرف الرهبانية في روما على بيت للسيدات المسنات تقوم الراهبات على خدمتهن والاعتناء بهن.

وأخيراً، في منطقة الخليج العربي النائبة جداً عن مسقط رأس الجمعية، أنشأت الراهبات مدارس وكليات على جانب كبير من الأهمية. ففي مدينة الكويت يدرن منذ عام 1961 كلية كبيرة قوامها 4000 طالبة تقريباً . وفي أبو ظبي مدرسة بلغ عدد طالباتها 1300. وامتد نشاط الرهبانية إلى الشارقة حيث انتهى العمل من إرساء قواعد مدرسة ابتدائية تضم الآن 1100 طالب وطالبة، وستصبح بالتدريج مدرسة ثانوية كاملة.

ولا يرتاب احد في أن ازدهار الجمعية المطرد وقيامها بكل تلك المشروعات الحيوية لخدمة الله والكنيسة، وتطويرها لمجاراة العصر الحديث مع بقائها أمينة للمسيح إنما تدل على صحة الرؤى والإيحاءات السماوية التي سبقت نشأة الرهبانية.

 

وأخيراً، قبل أن نطوي أخر صفحة من هذا الكتاب، علينا أن نرفع إلى مقام الله عز وجل دعاء حاراً من اجل أن تمجد الأم ماري الفونسين على الهياكل، فما كانت في حياتها إلا امة للرب وكاتمة سر العذراء- وبذلك تضاف زهرة جديدة إلى الباقة العطرة من القديسين والقديسات الذين تفخر كنيسة القدس بأنهم من أبنائها.

 

 

وان خصب المؤسسة الروحي هذا يشير إلى سمو الأم ماري الفونسين التي اختارتها السماء لتكون حجر الزاوية في المشروع الجديد. ومن الإنصاف القول إن هذه الراهبة الوضعية كانت ولا تزال روح الوردية الملهم وقلبها النابض. وعليها تنطبق كلمة المعلم الخالدة: " من ثمارهم تعرفونها".

 

مدرسة راهبات الوردية/القدس-بيت حنينا-5854007/فاكس6563969